الرئيسة | من نحن | إتصل بنا
يصدر عن الحزب الاشتراكي اليمني     آخر تحديث الخميس 09 سبتمبر-أيلول 2010 05:16 صباحاً
انيس حسن يحي :أسوأ أخطاء بعض رموز الحراك القول إن الجنوبيين ليسوا يمنيين وهذا قمة الضياع               اصابة 4بجروح في صادمات بين قوات الشرطة ومتظاهرين في عدد من احياء مدينة عدن احتجاجا على انقطاع التيار الكهربائي               انقطاع التيار الكهربائي عن كبريات المدن والمحافظات اليمنية بينها صنعاء وعدن لاكثر من 7ساعات والسلطة تعجز عن اعلان السبب الخقيقي راء هذا الخلل الخطير               اليمن يستورد 25كلب حراسة بـ5ملايين دولار لحراسة خليجي 20               محمد المقالح لقناة الحرة في الذكرى الاولى لاختطافه : سمعة الامن القومي بعد قضيتي في الحضيض والافضل لهم الاعتذار ومحاسبة الخاطفين بدلا من المكابرة الفارغة               هددوا باستمرار الاعتصامات :مذيعون وموظفون في اذاعة صنعاء(البرنامج الاول) يشكون من الاهمال والاجحاف في حقوقهم الوظيفية               استمرار تحريض وسائل اعلام السلطة والمواقع الاخبارية الايدلوجية ضد الحوثي تحدث فتن وتسيل دماء في العصيمات وحوث               المواجهات المسلحة بين الامن والقبائل المسلحة بذمار تسفر عن 4قتلى               ارتفاع عدد ضحايا مواجهات الجيش والمسلحين في ردفان الى 5قتلى و6جرحى من الطرفين               هجوم على مبنى الامن السياسي بالحوطة واشتباكات عنيفة بين مسلحين وقوات الجيش بحبيل جبر تسفر عن مقتل 2 واصابة 3اخرين               
المحرر/الاشتراكي نت
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed تحقيقات وتقارير
RSS Feed المحرر/الاشتراكي نت
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
المحرر/الاشتراكي نت
الفساد في اليمن جديد خديجة السلامي
الفساد في اليمن جديد خديجة السلامي
غداً.. الاحتفال بيوم المسرح العالمي
اكتمال مؤجل لمحمد ابراهيم
المقالح : قصور التعليم أدى إلى تراجع اللغة العربية
المقالح : قصور التعليم أدى إلى تراجع اللغة العربية
غالب لصوت الشورى: ما حصل في ردفان استمرار لأنفلونزا الجنازير
غالب لصوت الشورى: ما حصل في ردفان استمرار لأنفلونزا الجنازير
تريم عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2010م
تريم عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2010م
اليونسكو تطلق مكتبة رقمية عالمية بالسبع اللغات
اليونسكو تطلق مكتبة رقمية عالمية بالسبع اللغات
مهرجان الخليج السينمائي يعرض فيلماً يمنياً عن الإرهاب
مهرجان الخليج السينمائي يعرض فيلماً يمنياً عن الإرهاب
مشكلات دراسة تاريخ اليمن
مشكلات دراسة تاريخ اليمن
النقيب : لا توجد صفقة سرية مع السلطة بشأن الانتخابات
النقيب : لا توجد صفقة سرية مع السلطة بشأن الانتخابات

بحث

  
باسم الوحدة : رد الحكومة اليمنية الوحشي على مظاهرات الجنوب
بقلم/ المحرر/الاشتراكي نت
(6,054 قراءة)   الثلاثاء 02 مارس - آذار 2010 03:45 م
 

ملخص

بدأت أزمة خطيرة لحقوق الإنسان تتكشف في جنوب اليمن، مع رد قوات الأمنالحكومية على دعوات الانفصال بحملة قمعية عنيفة استهدفت ما يُدعى بالحراك الجنوبي.

فمنذ عام 2007 نظم مواطنون من جنوب اليمن اعتصامات ومسيرات ومظاهراتاحتجاجاً على ما يسمونه بمعاملتهم من قبل الحكومة المركزية التي يسيطر عليهاالشمال، بما في ذلك فصل الجنوبيين من العمل المدني والأمني. وتصاعدت وتيرةالاحتجاجات، وبحلول عام 2008 راح الكثير من أبناء جنوب اليمن يطالبون بالانفصالواستعادة استقلال دولة اليمن الجنوبي، القائمة حتى قيام الوحدة بين الجمهوريةالعربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في عام 1990.

وقد لجأت قوات الأمن، والأمن المركزي على الأخص، إلى ارتكاب انتهاكاتموسعة لحقت بالجنوب، منها القتل غير القانوني والاحتجاز التعسفي والضرب وقمع حرياتالتجمع والتعبير واعتقال الصحفيين وآخرين. هذه الانتهاكات أدت لخلق أجواء منالخوف، لكنها أيضاً زادت من ضيق الجنوبيين وإحساسهم بالغربة، ويقولون إن الشماليستغلهم اقتصادياً ويهمشهم سياسياً. وقد أفلتت قوات الأمن من العقاب جراء الهجماتغير القانونية ضد الجنوبيين، مما زاد من المشاعر الانفصالية في الجنوب وألقىبالبلاد في دوامة من القمع والاحتجاجات، أدت بدورها إلى المزيد من القمع.

وفيما تزعم الحكومة علانية أنها مستعدة للاستماع إلى مظالم الجنوب، فإنقواتها الأمنية ردت على الاحتجاجات باستخدام القوة المميتة بحق متظاهرين مسالمينفي أغلب الحالات، دونما أسباب ظاهرة أو تحذيرات مسبقة، في خرق للمعايير الدوليةلاستخدام القوة المميتة. وكثيراً ما لجأ المتظاهرون إلى العنف، فأحرقوا السياراتوألقوا الحجارة، وكان هذا عادة رداً على عنف الشرطة.

وفي الاحتجاجات الستة التي حققت فيها هيومن رايتس ووتش بعمق، انتهكت قواتالأمن اليمنية جميع هذه المعايير تقريباً. فأثناء احتجاج نُظم في الحبيلين في 15أبريل/نيسان، أطلقت قوات مكافحة الشغب (الأمن المركزي) الأسلحة الأوتوماتيكية علىالمتظاهرين مباشرة، مما ألحق الإصابة برجل في قدمه. وأثناء احتجاج في 21 مايو/أيارفي عدن، فتحت قوات الأمن في أماكن متفرقة النار دونما تحذير أو استفزاز منالمتظاهرين، مما ألحق الإصابات بـ 23 متظاهراً، منهم نصر حاموزايبة ضابط الجيشالسابق والناشط بالحراك الجنوبي. ورد المتظاهرون برمي الشرطة بالحجارة، فردت الأخيرةبالمزيد من القوة المميتة.

وفي 30 مايو/أيار خرج المتظاهرون في مسيرة في الشحر، مطالبين بالإفراج عننحو 75 شخصاً تم احتجازهم أثناء احتجاج قبل يومين. وعندما بلغ المتظاهرون قيدأمتار قليلة من شرطة مكافحة الشغب التي كانت تسد الطريق، فأطلقت الشرطة الرصاص فيالبداية في الهواء، ثم على المتظاهرين، مما أودى بحياة عواض برام. ولم تفتحالحكومة أية تحقيقات في إطلاق النار الذي أسفر عن الوفيات. وفي الضالع أطلقتالشرطة النار على توفيق الجعدي، مما أودى بحياته، في تظاهرة نُظمت يوم 31مايو/أيار، وهذا دون تحذير مسبق أو استفزازات من طرف المتظاهرين.

وزادت قوات الأمن من صعوبة الأمر على الجرحى في الحصول على الرعايةالطبية، بعدما أمرت المستشفيات العامة بعدم قبول الجرحى في الاحتجاجات، ووزعت ضباطشرطة من الأمن السياسي ومن هيئات أمنية أخرى بالمستشفيات، بل وأغارت علىالمستشفيات وقبضت على المرضى المصابين من أسرّتهم. مثل هذه الأعمال عرضت حياةالمصابين للخطر، والكثير منهم أصيبوا بأعيرة نارية دون سند قانوني، من قبل الأجهزةالأمنية. وبعد يومين من تلقيه العلاج بالمستشفى، قبضت قوات الأمن على طالب يبلغ منالعمر 15 عاماً، وكان قد أصيب برصاصة حية في كاحله في احتجاجات 21 مايو/أيار 2009وهو راقد بفراشه في المستشفى. ورفض الحراس في مستشفى الشعيبي العام بمحافظة الضالعالسماح للمتظاهرين الذين جُرحوا في 4 يوليو/تموز 2008 بالدخول إلى المستشفى، مماأجبرهم على التماس العلاج الخاص.

كما وقع حادثان على الأقل ضمن المصادمات بين جماعات مسلحة وقوات الأمن،وإثرها اتهمت السلطات اليمنية الحراك الجنوبي بأن له جناح مسلح. وخلّفت المصادماتالمسلحة بجبال الأحمرين بالقرب من الحبيلين نحو 100 كيلومتر شمال شرقعدن، أواخر أبريل/نيسان ومطلع مايو/أيار 2009، خلفت عدة جنود قتلى وألحقت الإصاباتبالمدنيين. وفي يوليو/تموز 2009 وقع صدام بين أتباع طارق الفضلي وقوات الأمن فيزنجبار، عاصمة محافظة أبين، مما خلّف 12 قتيلاً على الأقل، في أعقاب"مهرجان" أقيم للدعوة إلى تحقيق مطالب الجنوب.

كما أنه في مناسبتين في شهر يوليو/تموز، هاجم جنوبيون متاجر يملكهاشماليون يقيمون في جنوب اليمن. وفي أسوأ هذه الهجمات، تم اختطاف أصحاب المتاجرالشماليين وقُتل اثنين منهم في منطقة ردفان في يوليو/تموز 2009. ويبدو أن عنفالمناصرين لوحدة اليمن في زيادة بدوره: فالحكومة المركزية ساعدت على تأسيس لجانحماية الوحدة، وهي جماعات من المؤيدين للوحدة، وبعضهم مسلحون، وقد نفذت هجماتمسلحة على أشخاص يُشتبه في كونهم ناشطين جنوبيين.

وفيما ما زالت هذه الحوادث استثنائية – وعلى النقيض من التوجه السلميالمُعلن ومسلك السواد الأعظم من الحراك الجنوبي – فإنها تلقي الضوء على طبيعةالموقف المشتعل والأخطار المحدقة المتمثلة في احتمال تصعيد العنف. وتُظهرالمصادمات المسلحة احتمال اشتعال نزاع مسلح في الجنوب بأسره، ويبدو أنها تشير إلىوجود عناصر متعاطفة مع أهداف الحراك الجنوبي، وإن كانت على أهبة الاستعداد لتحقيقهذه الأهداف باللجوء إلى العنف.

ومنذ اشتعال الاحتجاجات في عام 2007، احتجزت قوات الأمن تعسفاً الآلاف منالمشاركين والمارة الذين كانوا يشاهدون الاحتفاليات، ومنهم أطفال. وتتخذ هذهالاعتقالات التعسفية بالأساس إحدى ثلاثة أشكال: الاحتجاز قصير الأجل الوقائي لمنعمن يُشتبه في أنهم سيقدمون على المشاركة من بلوغ أماكن المسيرات ولمنع المظاهراتمن الوقوع؛ اعتقال المشاركين السلميين واحتجازهم لفترات طويلة في بعض الأحيان؛اعتقالات طويلة الأجل دون محاكمة تستهدف المشتبهين بكونهم قيادات للاحتجاجات. وكانالأطفال من بين المُحتجزين. وفيما تم الإفراج عن البعض بعد ساعات معدودة مناعتقالهم، فقد وثقت هيومن رايتس ووتش ثلاث حالات لأطفال تحت سن 18 عاماً أمضواأياماً وأسابيع رهن الاحتجاز دون نسب اتهامات إليهم، وفات على بعضهم فرصة أداءاختباراتهم المدرسية جراء ذلك.

ولم يُنسب الادعاء اليمني الاتهامات إلا إلى قلة من الزعامات المحتجزة، ثمأحيلوا إلى المحاكمة. وفي أبريل/نيسان 2008 اعتقلت قوات الأمن 12 قيادة من الحراكالجنوبي وقامت باحتجازهم إلى أن عفا عنهم الرئيس علي عبد الله صالح فيسبتمبر/أيلول. كان بين الزعامات أحمد بن فريد، وعلي الغريب، ويحيى غالب الشعيبي،وحسن باعوم وعلي مُناصر، وآخرين. وأمضوا ستة أشهر في سجن الأمن السياسي في زنازينتحت الأرض، ثم حوكموا بعد ذلك بناء على اتهامات مبهمة سياسية الدوافع تتمثل في"المساس بالوحدة" و"التحريض على الانفصال". ومنذ ذلك الحينلجأ أغلب قيادات الحراك الجنوبي إلى الاختباء في الجبال فراراً من الاحتجازالتعسفي والاتهامات السياسية.

وفي عام 2009 استمرت السلطات في الاعتماد على اتهامات سياسية الدوافع ضدقيادات الحراك الجنوبي. ففي أبريل/نيسان اعتقلت السلطات قاسم عسكر جبران، السفيرالسابق لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية إلى موريتانيا، واتهمته بـ "تهديدالوحدة والتحريض على قتال السلطات". ونُقل جبران إلى سجن الأمن السياسي فيصنعاء وأحيل للمحاكمة بناء على أدلة قوامها "خُطب ووثائق ومنشور بعنوان"مشروع لرؤية خاصة بحراك الكفاح السلمي لقضية الجنوب ومستقبل شعب جنوباليمن" ووثيقة تفيد بالانتماء إلى "المجلس الوطني الأعلى لتحريرواستعادة دولة جنوب اليمن". وهو ما زال رهن الاحتجاز حتى اللحظة.

كما شنت السلطات هجمة قوية على الإعلام المستقل، فأوقفت بعض المطبوعات عنالنشر وحجبت مواقع إلكترونية واعتقلت صحفيين بل وأطلقت النار على مقر أكبر صحيفةمستقلة. وفي 4 مايو/أيار 2009 أوقفت وزارة الإعلام نشر ثماني صحف يومية وأسبوعيةمستقلة، جراء تغطيتها لأحداث الجنوب. وهي صحف الأيام والمصدر والوطني والدياروالمستقلة والنداء والشارع والأهالي. وفي مايو/أيار أيضاً، شكلت الحكومة محكمةجديدة لمحاكمة الصحفيين. وفي 1 و2 مايو/أيار صادر مسؤولون أمنيون نسخ صحيفةالأيام، أقدم وأكثر صحف اليمن المستقلة انتشاراً. وفي 4 مايو/أيار فتح مسلحونمجهولون النار على مقر الصحيفة فتوقفت عن النشر. وفي 12 مايو/أيار حاصرت قواتالأمن المقر واشتبكت في تبادل لإطلاق النار استمر لمدة ساعة مع حراس الصحيفة، مماأودى بحياة أحد المارة وإلحاق إصابات خطيرة بآخر.

وتفرض الحكومة "خطوطاً حمراء" غير مقننة في محاولة منها لضمانفرض الإعلام لرقابة ذاتية على نفسه. وهي مفهومة في الأغلب للصحفيين على أنها تشملالحظر على نشر المقابلات مع رجال السياسة الجنوبيين في المنفى أو قيادات الحراكالجنوبي، ونشر صور لعنف الأجهزة الأمنية بحق المتظاهرين، أو حتى ذكر الأسماءالرسمية للمنظمات المسؤولة عن الاحتجاجات. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش اعتقالينلصحفيين جراء تغطيتهما لأحداث الجنوب. كما حاول المسؤولون منع تغطية محطات التلفزةالفضائية الأجنبية للأحداث. وفي مناسبتين على الأقل، في مايو/أيار ويوليو/تموز2009، منعت قوات الأمن مراسلو الجزيرة من مغادرة فندقهم لمنعهم من تصويرالاحتجاجات في مدن الجنوب. وفي يونيو/حزيران، هاجم مسلحون مجهولون مراسل الجزيرةفي عدن، فضل مبارك، وفي يوليو/تموز تلقى مدير مكتب الجزيرة في اليمن، مراد هاشم،تهديدات بالقتل من مجهول عبر الهاتف.

واعتقلت السلطات اليمنية مدونين شهيرين، هما صلاح السقلدي وفؤاد راشد، ومازالا قيد الاحتجاز إلى الآن. واعتقلت الشرطة السرية السعودية (المباحث) مدونينيمنيين من جدة، على خلفية مواقعهم التي تعرض أخباراً عن الحراك الجنوبي، وسلمتسراً علي شايف إلى اليمن في مايو/أيار أو يونيو/حزيران 2009، وما زال حتى أواسطنوفمبر/تشرين الثاني 2009 محتجزاً في مقر الأمن السياسي. كما لم ينل الأكاديميونحرية التعبير عن آرائهم. فاعتقلت قوات الأمن الأستاذ الجامعي حسين عاقل ، بعدكتابته في الصحافة وإلقاء محاضرة عن الظلم الاقتصادي الذي يعاني منه الجنوب. وعاقلهو أستاذ الجغرافيا الاقتصادية في جامعة عدن، وما زال محتجزاً في سجن الأمنالسياسي بصنعاء. كما تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى ضحايا أربع حالات مضايقات واحتجازأخرى بحق أكاديميين – وقامت بتوثيقها – ممن تحدثوا ضد ما يتصورونه قمعاً منالحكومة الشمالية المركزية.

ورغم جملة من الإجراءات القمعية وتطبيقها على نطاق واسع، فإن دعواتالجنوبيين بإعادتهم إلى أجهزة الجيش والخدمة المدنية، وزيادة مبالغ معاش التقاعدووضع حد للفساد، والحصول على نصيب أكثر عدلاً من ثروات اليمن – لا سيما أرباحالنفط – ما زالت مستمرة بلا هوادة. ورغم أنها سلمية في الأغلب حتى الآن، فإن زيادةالإحساس بالقمع في الجنوب والشعور بخيانة الجنوبيين في الشمال، تؤدي لحدة التوتراتالتي قد تأخذ صيغة مواجهة عنيفة بين الطرفين.

وينصب اهتمام المجتمع الدولي باليمن – إحدى أفقر الدول العربية – علىتحديين آخرين، ففي أغسطس/آب 2009، اشتعلت من جديد الحرب القائمة منذ خمس سنوات معالمتمردين الحوثيين في الشمال، مما أودى بحياة الكثيرين وأدى إلى تشريد الكثيرين،وشهد عام 2009 أيضاً تزايد نشاط الجماعة المدعوة بالقاعدة في اليمن. وما زالت أزمةحقوق الإنسان في الجنوب مجهولة إلى حد كبير.

إن على حكومة اليمن المركزية أن تحترم الحق في حرية التجمع وتكوينالجمعيات والتعبير، بما في ذلك تعديل قوانين اليمن كي تكفل الحماية لهذه الحقوق.وعلى قوات الأمن اليمنية أن تكف عن استخدام القوة المفرطة بلا داعي ضد المتظاهرين،وأن تكف عن الاعتقالات التعسفية للمتظاهرين والمنتقدين وأن تفرج عن جميع المحتجزينتعسفاً، ومنهم أطفال. ويجب أن تشرع لجنة مستقلة في التحقيق في كافة الحوادث التياستخدمت فيها قوات الأمن الأسلحة المميتة في إصابة وقتل المتظاهرين في الجنوب علىمدار السنوات الثلاث الماضية وأن تُحمل المسؤولين عن هذا الاستخدام غير القانونيللقوة المسؤولية.

ويجب على الدول المجاورة والمانحة لليمن أن تنتقد علناً انتهاكات حقوقالإنسان في اليمن وأن تدفع بمزيد من الاحترام لحقوق الإنسان فيها، لا سيما الحق فيحرية التعبير وفي التجمع. ويجب على المانحين أن يعاونوا اليمن على تدريب الأمناليمني على الأساليب غير المميتة للسيطرة على الحشود ومراقبة مسلك قوات الأمن.

I . التوصيات

إلى الحكومة اليمنية

يجب ضمان التزام قوات الأمن بالمعايير الدولية لعمل الشرطة، ومنها مدونةالأمم المتحدة لسلوك مسؤولي إنفاذ القانون ومبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأناستخدام القوة والأسلحة النارية، لدى التصدي للاحتجاجات، لا سيما القيد المفروضعلى استخدام الأسلحة النارية في مواقف يوجد فيها تهديد جسيم للحياة أو الإصابات الخطيرة،أو ما يعادل ذلك

يجب إنشاء لجنة مستقلة للتحقيق بتكليف بالتحقيق على أكمل وجه في الاستخدامالمفرط للقوة من قبل الأجهزة الأمنية ضد احتجاجات الحراك الجنوبي، وأن تخرجبنتائجها على وجه السرعة.

يجب التحقيق مع عناصر الأمن المشاركين في استخدام القوة المفرطة بحقالمتظاهرين العُزّل، ومن أمروا باستخدامها، ثم ملاحقتهم قضائياً أو فرض الإجراءاتالتأديبية وغيرها من الإجراءات بحقهم.

يجب وضع حد للاحتجاز التعسفي بحق المتظاهرين من قبل الأجهزة الأمنية،والإفراج عمّن ما زالوا رهن الاحتجاز دون نسب اتهامات إليهم. وأي محتجزين متبقينيجب أن يُحالوا على وجه السرعة إلى جهة قضائية مستقلة لها سلطة مراجعة احتجازهموالأمر بالإفراج الفوري عنهم.

 

يجب ضمان أن تتحرك جميع الأجهزة الأمنية في إطار القانون فيما يخص اعتقالالأفراد واحتجازهم، وإغلاق جميع مراكز الاحتجاز غير المصرح بها رسمياً.

يجب وضع حد لاستخدام الاتهامات الجنائية المبهمة والفضفاضة، مثل المواد125 و126 من قانون الجرائم والعقوبات لعام 1994، الذي يعاقب بالإعدام كل من"قصد المساس باستقلال الجمهورية أو وحدتها أو سلامة أراضيها"و"أذاع أخبار... أو إشاعات كاذبة أو.. عمد إلى دعاية [ب] إثارة الفزع بينالناس أو إضعاف الروح المعنوية في الشعب"، على التوالي والمادة 136 التيتعاقب بالسجن ثلاث سنوات كل من "أذاع أخباراً... أو إشاعات كاذبة... بقصدتكدير الأمن العام أو... إلحاق ضرر بالمصلحة العامة". ويجب إلغاء هذه الموادوتعديل المواد 127 و128 و129 و131 لإلغاء الاتهامات الفضفاضة المبهمة إلى حد بعيد.

 

يجب ضمان معاملة جميع المشتبهين المحتجزين بما يتفق مع المعايير الدوليةلحقوق الإنسان، ومنها الحق في مقابلة محامي يختاره المشتبه، والاحتجاز في أوضاعإنسانية تخلو من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وعدم التعرضللاحتجاز طويل الأجل دون محاكمة أو القدرة على اللجوء للقضاء.

 

يجب تبني إجراءات تضمن عدم احتجاز الأطفال تحت سن 18 عاماً إلا كحل أخيربعد استنفاد جميع الحلول الأخرى ولأقصر فترة زمنية ممكنة. ويجب ضمان عدم احتجازالأطفال إطلاقاً برفقة بالغين، بما يتفق مع المعايير الدولية.

 

يجب احترام وحماية حق جميع الأفراد في التجمع السلمي وفي تكوين الجمعياتمع آخرين. وأي قيود على هذه الحقوق يجب أن تكون في الحد الأدنى، أي يجب ألا تكونتعسفية وأن تستند بشكل واضح إلى القانون، وألا تُفرض إلا لسبب مشروع وأن يقتصرالقيد على الحد الأدنى المطلوب لتحقيق الهدف.

يجب إجراء مراجعة مستفيضة – والإلغاء والتعديل في حالة الضرورة – لمنهجتدريب قوات الأمن، لضمان أن يشمل تدريبهم على حقوق الإنسان احترام حقوق حريةالتجمع وتكوين الجمعيات وحرية التعبير، والتدريب على الأساليب غير المميتة للسيطرةعلى الحشود.

 

يجب ضمان أن المنظمات الموالية للحكومة، ومنها لجان حماية الوحدة، لاتتورط في أعمال عنف ضد منتقدي الحكومة ومعارضيها. ويجب التحقيق – والمقاضاة إذالزم الأمر – في كافة مزاعم العنف من قبل الميليشيات الموالية للحكومة، وكذلك منقبل قوى المعارضة.

 

يجب وضع حد للاحتجاز التعسفي والمقاضاة والترهيب بحق الصحفيين المستقلين،والمدونين والمراسلين الذين يغطون أحداث الحراك الجنوبي ووضع حد لانتهاكات قواتالأمن في الجنوب. ويجب إصدار العفو عن المتهمين والمدانين في أعمال يحميها الحق فيحرية التعبير.

 

يجب الكف عن إغلاق وتجميد إصدار الصحف المستقلة جراء تغطيتها للحراكالجنوبي وانتهاكات قوات الأمن في الجنوب.

 

يجب مراجعة وتعديل التشريعات لضمان عدم تجريم القانون اليمني لأشكال حريةالتعبير المحمية، وكذلك تبادل المعلومات، بما في ذلك الوسائط الإلكترونية،والاتصال بالمنظمات الدولية لحقوق الإنسان. وعلى الأخص يجب إلغاء تجريم المطالبةالسلمية بالانفصال، والتي بصفتها نقطة خلاف سياسية، تخضع لحماية مشددة كأحد أشكالحرية التعبير. ويجب ضمان حد أدنى من التدخل في مناقشة القضايا السياسية سلمياً.

 

إلى الحراك الجنوبي

  

يجب الإعلان عن نبذ واستنكار العنف من قبل ناشطي الحراك الجنوبي أوالمتعاطفين مع الجنوب ضد الشمال، وضمان التحقيق في هذه الهجمات والتحقيق معالمسؤولين عنها وتحميلهم المسؤولية.

 

إلى الجهات المانحة لليمن ودول الجوار

 

يجب انتقاد انتهاكات حقوق الإنسان علناً، من المرتكبة من قبل قوات الأمناليمنية، لا سيما استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين السلميين، واستخدام اتهاماتجنائية فضفاضة ومبهمة لتنفيذ عمليات اعتقال تعسفي والاحتجاز لفترات مطولة، بما فيذلك بحق الأطفال، وتفشي انتهاكات حقوق حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعياتوالحريات الأكاديمية. ويجب الدعوة للإفراج عن جميع الأطفال المحتجزين على ذمةالاحتجاجات، إلى أن يحين موعد محاكمتهم – إذا كان أي منهم سيُحال للمحاكمة – وأنيتم الفصل فوراً بين الأطفال والبالغين المحتجزين.

 

يجب الدفع من أجل زيادة حرية التعبير في اليمن، بما في ذلك الإعلامالإلكتروني، والانتقاد العلني لإغلاق الصحف وكذلك التهديدات والاعتقالات والمقاضاةبحق الصحفيين والمدونين والمراسلين الذين يغطون الحراك الجنوبي وانتهاكات قواتالأمن في الجنوب.

 

يجب الدعوة للإفراج عن جميع الأشخاص المحتجزين تعسفاً، وأن تكشف السلطاتاليمنية على الفور عن أماكن الأفراد "المختفين" ممن يُعتقد أنهممُحتجزون سراً بمعزل عن العالم الخارجي.

 

يجب دعوة السلطات اليمنية إلى التحقيق في الانتهاكات التي ارتكبتها قواتالأمن ومقاضاة من يُكتشف تورطهم.

 

يجب أن يتضح للسلطات اليمنية أن المساعدات الدولية – المالية منهاوالعسكرية والدعم الدبلوماسي – هي رهن تحسين حالة حقوق الإنسان في اليمن، وإعدادمعايير واضحة يمكن مراقبة سجل حقوق الإنسان في اليمن بمقتضاها. ويجب ضمان أن جميعأشكال المساعدات المقدمة لليمن تخضع للمراجعة المدققة لضمان ألا تُسهم في انتهاكاتحقوق الإنسان التي ترتكبها قوات الأمن.

 

يجب تعزيز برامج المساعدة المقدمة لليمن التي تساعد على تعليم ومراقبةقوات الأمن بمجال الأساليب غير المميتة في السيطرة على الجماهير واحترام المعاييرالدولية لحقوق الإنسان.

 

يجب ضمان عدم إساءة السلطات اليمنية استخدام برامج التدريب على السيطرةعلى الحشود، بحيث تستخدمها في تقييد ممارسة حرية التعبير أو تكوين الجمعيات أوالتجمع.

 

II . منهج التقرير

 

زار فريق قوامه ثلاثة أشخاص من هيومن رايتس ووتش اليمن لمدة أسبوعين فييوليو/تموز 2009، وأجرى الفريق بحوثه في العاصمة صنعاء، وفي مدينتي عدن والمُكلاجنوب اليمن. وقابلنا أكثر من 80 ضحية وشاهد عيان لانتهاكات حقوق الإنسان، بالإضافةإلى مقابلات مع صحفيين وناشطين حقوقيين ومثقفين وأكاديميين ورجال سياسة وناشطينبالحراك الجنوبي ومسؤولين حكوميين ودبلوماسيين في العاصمة. كما أجرينا مقابلاتهاتفية للمتابعة بعد إتمام البعثة الميدانية.

 

وفيما يتعلق بالكثير من الحالات الموثقة في هذا التقرير، راجعت هيومنرايتس ووتش أيضاً الروايات التي ظهرت في الإعلام المحلي والدولي، وكذلك تسجيلاتفيديو كثيرة تم التقاطها أثناء الاحتجاجات وتوفرت على مواقع عامة مثلYoutube ومواقع مخصصة لليمن. وكانت مقاطع الفيديو في العادة غيرخاضعة للرقابة وتغطي فترات طويلة من الحوادث. ودققنا بحرص المادة الفيلمية والصورالضوئية لتحديد وجود أو غياب الأشخاص المسلحين وسط المتظاهرين، وهي نقطة خلافيةهامة في أقوال مختلف الناشطين الجنوبيين على جانب، الذين يزعمون بتغيب الأشخاصالمسلحين عن احتجاجتهم، والمسؤولين الحكوميين على الجانب الآخر، الذين يزعمون بأنالعنف المميت وقع عادة جراء أعمال المتظاهرين المسلحين. هذه التسجيلات، بينماالتقطها على طول الخط أشخاص ينتمون إلى أو على الأقل يتعاطفون مع أهدافالمتظاهرين، فمن الممكن أن تُعتبر أدلة إضافية مكملة لروايات الشهود التي جمعتهاهيومن رايتس ووتش، لأنها في الأغلب عبارة عن مقاطع مطولة خام لم تمسها يد التغييرأو التعديل. كما قارنت هيومن رايتس ووتش ما بين مقاطع الفيديو المتعلقة بهجمات بعينهافي الحبيلين في شهر أبريل/نيسان وفي زنجبار شهر يوليو/تموز، مع روايات الشهودالحاضرين في الاحتجاجات التي تم جمعها أثناء المقابلات التفصيلية.

 

تم إجراء أغلب المقابلات باللغة العربية، إذ عاون أحد أعضاء الفريق اللغةالعربية هي لغته الأولى في الترجمة الفورية لعضو الفريق الذي لا يتحدث العربية،بينما أجرى عضو الفريق الثالث المتقن للغة العربية مقابلاته وحده باللغة العربية.وأغلب المقابلات تمت في أماكن خاصة، لم يحضرها إلا فريق البحث والشخص الذي رُتبتالمقابلة معه، رغم أن أجواء المقابلات المزدحمة في المُكلا جعلت المقابلاتالانفرادية (بالمعنى الحرفي للكلمة) صعبة.

  

ولم تشهد البعثة تدخلاً مباشراً في عمل هيومن رايتس ووتش جنوب اليمن، لكنالحضور الأمني المكثف والوضع الأمني الحرج في بعض المناطق الريفية صعّب من العملالميداني. ونصح ناشطون محليون فريق هيومن رايتس ووتش بعدم زيارة مناطق ردفانوالضالع وأبين والشبوة الريفية، جراء المخاطر المحدقة من المسلحين في المناطقالريفية، ولاحتمال احتجاز قوات الأمن للفريق ومصادرة ما معه من معدات لازمة للبحث.

 

وأعلنت المواقع الإخبارية ومحطات التلفزة عن زيارة هيومن رايتس ووتش أثناءإجراء الفريق لبحوثه في المنطقة. ولم تتدخل السلطات بشكل مباشر مع نشاط البعثة فيعدن، لكن انتظرت عربة محملة بعناصر شرطة السياحة وضابط أمن مسلح في ثياب مدنيةفريق البحث خارج فندقه في المكلا، وأصروا على اصطحاب الفريق في جولته في يومهالثاني بالمدينة، متذرعين بالحفاظ على سلامتنا، مما حال دون إجراء المزيد منالبحوث. واتصل عملاء من الأمن السياسي – وهو جهاز استخبارات يمني – في الليلةنفسها بسائق سيارة أجرة من المُكلا، وكان قد رافق الفريق لمدة وجيزة في تنقلاتهباليوم الأول في المدينة، واستجوبوه بشأن أنشطة البعثة. وقال مسؤول بجهاز الأمنالقومي في صنعاء، وهو هيئة استخباراتية أخرى، لناشط حقوقي يمني، إنه يعرف بأنشطةالفريق وتواجده في عدن من قبل الإعلان عن هذه الأنباء.

 

وتتوجه هيومن رايتس ووتش بالشكر إلى معالي وزيرة حقوق الإنسان، د. هدىالبان، لترحيبها السريع بطلبنا بالاجتماع بها وللمعلومات التفصيلية التي قدمهامكتبها مشكوراً. ومع الأسف فقد تزامن الاجتماع بالوزيرة مع موعد رُتب للبعثة معنائب وزير الداخلية، ولم يتم إخبارنا بالموعد الأخير إلا هاتفياً أثناء حضورالاجتماع بالوزيرة البان. ونُقدر لوزارة الداخلية استعدادها للاجتماع لمناقشةالوضع في جنوب اليمن.

  

. خلفية

  

يبلغ تعداد اليمن السكاني 22 مليون نسمة، وهي جغرافياً أكبر بقليل منفرنسا، وتقع في الركن الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية، وعلى الجانب المقابللها في البحر الأحمر يقع القرن الأفريقي (الصومال، جيبوتي، إريتريا، أثيوبيا).ويُقدر البنك الدولي نصيب الفرد من إجمالي الناتج القومي اليمني بنحو 520 دولاراًعام 2003، مما يجعلها أحد أفقر البلدان في العالم. وفي ذلك العام، كان ترتيب اليمن151 من 177 دولة على مؤشر الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية.[1] وثلاثة أربعاليمنيين يعيشون في مناطق ريفية.

 

في عام 1962 وضع انقلاب مسلح حداً لحُكم الإمام الزيدي، ومعه انشأتالجمهورية العربية اليمنية، وأشار إليها كثيرون باسم اليمن الشمالي. ونشبت حربأهلية في الستينيات تدخلت فيها مصر والسعودية إلى جانبي الجمهورية وجانب الإمامعلى الترتيب. وما كانت تُدعى حينها جنوب اليمن، كانت محمية بريطانية، إلى أن حققتاستقلالها تحت مسمى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الاشتراكية في نوفمبر/تشرينالثاني 1967.

  

الوحدة والانفصال

  

تشير الروايات التاريخية القرآنية إلى اليمن كوحدة جغرافية واحدة، رغمتواجد مختلف الممالك والإمارات بمختلف المسميات على أرض اليمن إلى أن قامت القوىالاستعمارية، ومنها البرتغال والدولة العثمانية وبريطانيا، باحتلال أجزاء ممايُعرف حالياً باليمن. وعلى امتداد القرن العشرين، كان من يعيشون في مختلف النظمالسياسية يعتبرون أنفسهم يمنيون، وأنهم جزء من "التاريخ القديم لبلاد العربالسعيد"[2] وهو ما مثل القاعدة الشعبية لاتحاد الجمهورية العربية اليمنيةوجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

 

وفي عام 1989 سحب السوفيت الذين كانوا يدعمون جمهورية اليمن الديمقراطيةالشعبية عناصر الدعم العسكري السوفيتية، وأحلوهم باستشاريين، وقطعوا المساعدات،مما أدى إلى بدء الحكومة في برنامج التحرير السياسي والنظر في الوحدة معالشمال.[3] وفي الوقت نفسه، واجهت الجمهورية العربية اليمنية بدورها الضغوطالاقتصادية وكانت حريصة على تطوير حقول النفط حول منطقة شبوة، في أراضي جمهوريةاليمن الديمقراطية الشعبية.[4] وأعلن الزعيمان، علي سالم البيض وعلي عبد اللهصالح، الوحدة بين الجمهوريتين في 22 مايو/أيار 1990، تحت مسمى جمهورية اليمن. وبدأاليمن في السير على مسار التعددية السياسية وعقد انتخاباته الأولى في عام 1993.وبدلاً من أن تعزز الوحدة، عززت الانتخابات من الشقاق بين جنوب اليمن، الذي صوتأغلبه لمرشحي الحزب الاشتراكي اليمني، وشمال اليمن، الذي دعم ناخبوه مرشحي حزبالإصلاح، وهو حزب إسلامي، وحزب المؤتمر الشعبي العام، حزب الرئيس صالح.[5] وتدهورتالعلاقات بين الحزب الاشتراكي وحزب المؤتمر الشعبي، وكانا قد شكلا ائتلافاً بعدعام 1990، نتيجة للاختلافات في السياسات، منها سرعة ومجال الاندماج بين الجيشينالمنفصلين، والإصلاحات البيروقراطية والقضائية، وإجراءات مكافحة الفسادوالإرهاب.[6] وأشعل هجوم على وحدات الجيش الجنوبي المتمركز في الشمال – يُزعم أن قبائلشمالية شنته – فتيل الحرب الأهلية في الفترة من أبريل/نيسان إلى يونيو/حزيران1994، وانتهت بهزيمة الجنوب.[7]

 

وبعد حرب 1994، أحالت السلطات في صنعاء إلى التقاعد قسراً الكثير منالضباط العسكريين وموظفين عامين من الجنوب، ليحل محلهم شماليون. ويرى الكثير منأهل الجنوب في الهزيمة بداية تدهور حاد في مقدراتهم الاقتصادية وبداية تهميش أوسعللجنوبيين في اليمن المتحد الذي يهيمن عليه الشماليون، رغم أن اقتصاد اليمنالجنوبي الاشتراكي كان بالفعل في حالة تدهور حاد قبل الحرب الأهلية بكثير، وسوءإدارة الاقتصاد كان أحد العوامل الأساسية الدافعة بجنوب اليمن نحو الوحدة.[8]الضرر الذي ألحقته الحرب والنهب بالمصانع والصناعات لم يتسن مطلقاً تعويضه أوإصلاحه، ويزعم الجنوبيون أن الرعاية الاقتصادية للجنوب والتنمية النفطية في أرضهممرقت بهم دون أن تصيبهم لينال نصيب الأسد منها أهل الشمال.[9] وطبقاً لرواياتالجنوبيين، فإن عقود الأراضي والنفط في الجنوب نالها شماليون مقربون من الرئيس فيأغلب الحالات، وأرباح حقوق استغلال نفط اليمن في الجنوب ملأت جيوب الشماليين.[10]وصار نحو مائة ألف ضابط وموظف جنوبي متقاعد لا يتلقون معاشهم إلا لماماً.[11] ويبدوأن تجميد المعاشات والرواتب سياسي الدوافع في أغلب الحالات، ولا يتم إلا بعدمشاركة الفرد في احتجاج سياسي.[12] هذه المظالم الاقتصادية تكمن في صميم احتجاجاتالجنوبيين.

  

قوات الأمن

  

في اليمن أجهزة أمنية عديدة، مسؤولة أمام مختلف فروع السلطة التنفيذية.واختصاصاتها متداخلة، مما أدى إلى حيرة المواطن إزاء أي من الهيئات الأمنية مسؤولةعن هذا أو ذاك من انتهاكات حقوق الإنسان.

 

وتم إنشاء الأمن المركزي بموجب قرار رئاسي في عام 1980، وكُلف بمسؤولياتمنها ضمان سلامة الممتلكات والأفراد، إلى حراسة الحدود ومكافحة الإرهاب.[13]والأمن المركزي يتبع رسمياً وزارة الداخلية بشكل مباشر.[14] وهذا الجهاز تورطكثيراً في استخدام القوة ضد المتظاهرين الجنوبيين.

 

كما يخضع لوزارة الداخلية قسم التحقيق الجنائي، المسؤول عن الجرائم غيرالسياسية، وتخضع لها أيضاً وحدة منفصلة لمكافحة الإرهاب. إلا أن التحقيق الجنائيووحدة مكافحة الإرهاب قاما باعتقال أشخاص يُزعم أنهم مجرمون سياسيون. والتحقيقالجنائي مسؤول عن الكثير من الاعتقالات بحق المتظاهرين والناشطين الجنوبيين علىالمستوى المحلي.

 

الأمن السياسي هو جهاز الاستخبارات الداخلي اليمني، وأنشئ بقرار 121 لعام1992 تحت مسمى الجهاز المركزي للأمن السياسي. وصلاحياته الخاصة بالاعتقالوالاحتجاز مشتقة من هذا القرار وليس بموجب أي قانون آخر، ومراكز الاحتجاز الخاصةبه ليست من مراكز الاحتجاز الرسمية، كما هو وارد في الدستور اليمني.[15] وجهازالأمن السياسي مسؤول بشكل مباشر من الرئيس علي عبد الله صالح. ويبدو أن الأمنالسياسي مسؤول بالأساس عن اعتقال الزعامات والمنظمين المشتبهين للحراك الجنوبي،وكذلك المثقفين وغيرهم من كبار الشخصيات المشاركة في الحراك، الذين يتجاوز تأثيرهمالمستوى المحلي.

 

الأمن القومي، المُنشأ بموجب قرار 262 لعام 2002، يُحضر بالأساس التحليلاتويقدم المشورة للحكومة. وأدى التنافس على الصلاحيات بينه وبين الأمن السياسي إلىأن أنشأ الأمن القومي مراكز الاحتجاز الخاصة به في مطلع قرن الحادي والعشرين، وهيبدورها أماكن احتجاز غير مُعلنة ومن ثم فهي خارج إطار القانون اليمني. وسلطاتهالخاصة بالاحتجاز والاعتقال مشتقة بالمثل من القرار فقط وليس بموجب أي قانون.[16]وهذا الجهاز يبدو أنه لا يلعب دوراً كبيراً في رد الدولة على الحراك الجنوبي.

 

الجهات الأخرى التي قال الشهود إنها متورطة في قمع الاحتجاجات واعتقالواحتجاز الناشطين، منها الشرطة العسكرية، والحرس الرئاسي، والمخابرات العسكرية،ومختلف وحدات الجيش، ومنها الدفاع الجوي.

 

ولا يشرف القضاء اليمني إشرافاً فعالاً على قانونية الاعتقالات وأعمالالاحتجاز. والأمن القومي والأمن السياسي على الأخص لا يلتزمان بمتطلبات قانون الإجراءاتالجنائية اليمني لعام 1994، التي توجب ألا يُجري المسؤولون أعمال الاعتقال إلابناء على أمر توقيف، وإخبار المشتبهين بالتهمة المنسوبة إليهم في ظرف 24 ساعة منالاعتقال، والإفراج عن السجناء الذين انتهت محكومياتهم.[17]

 

المحكمة الجزائية المتخصصة أُنشأت بموجب قانون صادر عام 1999، وتم إنشاءهابالأساس للنظر في جرائم مُعرفة في القرآن ومشمولة بقانون العقوبات، مثل جريمةالحرابة، بالإضافة إلى جرائم أخرى غير واردة في القرآن، ومنها اختطاف الأجانبوالإضرار بمنشآت النفط وسرقة الجماعات المسلحة لوسائل النقل، والعضوية في تنظيممسلح يسعى لمهاجمة الممتلكات العامة أو المواطنين، ومهاجمة أعضاء القضاء أو اختطافمسؤولين أو أفراد من أسرهم. وفي عام 2004 وسع قانون جديد من صلاحيات المحكمة لتشملجرائم مبهمة فضفاضة التعريف ضد الأمن القومي.[18] والمحكمة، مثل أغلب هيئات القضاءفي اليمن، ليست مستقلة، ومحاكماتها لا تفي بالمعايير الدولية للعدالة والإنصاف.[19]

  

IV . عن الحراك الجنوبي

  

مولد وتركيبة الحراك الجنوبي

  

طبقاً لأغلب اليمنيين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش، فإن مولد الحركةالاحتجاجية القائمة في جنوب اليمن بدأ بسلسلة من الاحتجاجات الصغيرة التي شنتها فيعام 2007 منظمة للضباط العسكريين من الجنوب الذين أُجبروا على التقاعد، وطالبوابإعادتهم إلى الوظيفة وزيادة معاشاتهم. شكل الضباط المحالون إلى التقاعد جمعيةالعسكريين المتقاعدين، وبدأوا في تنظيم سلسلة من الاعتصامات والمسيرات الاحتجاجية.وعلى الفور واجهت القوات الأمنية الاعتصامات والاحتجاجات بالعنف والاعتقالاتالتعسفية.

 

وقد أدى تفشي عدم الرضا عن الأداء الاقتصادي والتهميش في جنوب اليمنبعناصر أخرى من المجتمع إلى الانضمام إلى حركة الاحتجاج. وانضم الموظفون – وقدأحيل للتقاعد الكثير منهم قسراً عام 1994 – إلى الحركة على الفور. وثمة ما يُقدربنحو 100 ألف عسكري وموظف مدني في الجنوب أحيلوا للتقاعد جبراً بعد عام 1994،وكانت معاشاتهم في صميم الاحتجاجات الأساسية في عام 2007. [20] وقد وسع المحامونوالأكاديميون والطلاب والصحفيون والكثير من أهالي الجنوب من مجال الاحتجاجات.وسرعان ما استخدمت فروع الأحزاب الجنوبية السياسية، بقيادة الحزب الاشتراكياليمني، ومعها فروع محلية لحزب الإصلاح وناصريين وبعثيين، استخدمت شبكاتها فيتحريك الدعم للحراك. [21] وتشمل المطالب الآن المزيد من فرص العمل للجنوبيين، ووضعحد للفساد، ونصيب أكبر من أرباح النفط للمحافظات الجنوبية. [22] وكما أوضح أحدالمعلقين: "ثمة إحساس بأن الجنوبيين مستبعدين من شبكات رعاية الشمال فيمجالات الأعمال والسياسة والجيش". [23]

 

وانضمت هياكل قيادية أكثر تقليدية – منها شيوخ القبائل وكذلك السكان العاديينمن أهل الريف – إلى الحراك الجنوبي. [24] ومع مطلع عام 2009 كسب الحراك الدعمالعريض من مجتمع جنوب اليمن، وتصاعدت المطالب إلى دعوات صريحة بالانفصال وإعادةإنشاء الدولة المستقلة في الجنوب. ووصف ناشط يمني حقوقي الوضع كالتالي:

 

الآن، بحلول أواسط عام 2009، جميع الفصائل الجنوبية صارت تطالب بالانفصالعن الشمال. حكومة صنعاء لا تنظر إلا في كيفية وقف هذه الجماعات، وليس كيفية حلالمشكلات التي تسببت في ظهورها. هناك عناصر نخبوية في الجنوب تشعر بالتهميش، لكنالجماعات التي يشرفون عليها تمثل المظالم الحقيقية للناس. الناس تريد أسعار مخفضةوخدمات أفضل وفرص عمل أكثر. هذا هو السبب في اصطفافهم وراء شعارات الانفصال. [25]

 

وقد حاول الحراك الجنوبي تطوير بعض المؤسسات المركزية كي يجمع حولهاالعناصر المتعددة المشاركة في الاحتجاجات. وفي يونيو/حزيران 2009 تناقلت التقاريرتعيين الحراك الجنوبي لـ "مجلس قيادة الثورة السلمية للجنوب" [26] الذيوطبقاً لمن قابلتهم هيومن رايتس ووتش، يتشكل من خمسة مسؤولين، هم تحديداً حسنباعوم من حضرموت، رئيساً لمجلس الحزب الاشتراكي اليمني، وصلاح الشنفرة من الضالع،نائب الحزب الاشتراكي بالبرلمان، وناصر نوبة من شبوة، رئيساً لجمعية العسكريينالمتقاعدين، وطارق الفضلي من أبين، الزعيم القبلي وحليف الفصيل الإسلامي، الذيانضم حديثاً إلى الحراك الجنوبي بعد أن كان في تحالف قوي مع الرئيس صالح، بالإضافةإلى يحيى سعيد، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عدن. [27]

 

ويبدو أن هناك جهات وشخصيات كثيرة متنافسة يصور كل منها نفسه على أنهقيادة الحراك الجنوبي، ومن غير المرجح وجود جهة قيادية واحدة، بل عدة جماعات محليةوإقليمية تنسق أنشطتها فيما بينها إلى حد ما، لكنها تتحرك في العادة بشكل مستقل عنبعضها البعض. ولم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تقييم فعالية مجلس القيادة هذا أوقدرته في الوقت الحالي على العمل كجهة مستقلة، نظراً لأن جميع أعضائه إما يختبئونأو فروا إلى الخارج. كما أن الكثيرين قدموا أنفسهم لـ "هيومن رايتسووتش" على أنهم "قيادات الحراك". والانطباع الذي وصلنا ممنقابلناهم هو أن الحراك مهلهل إلى حد ما ويتسم بالقليل من التماسك الداخلي.

  

إعلان عدم اللجوء للعنف والمصادمات المسلحة

  

منذ بدء الاحتجاجات عام 2007 أصر الحراك الجنوبي علناً على أنه حركةسلمية، ورفض مراراً استخدام المقاومة المسلحة في تحقيق أهدافه. [28] وعلى الجانبالآخر فإن السلطات اليمنية والصحف التي تسيطر عليها الدولة تكرر اتهامها للحراكالجنوبي باحتضان عناصر مسلحة وقد اتهمت المشاركين المسلحين في التظاهرات بوفياتالمحتجين. [29]

  

وطبقاً لسياسي على صلة بالحراك الجنوبي:

  

لقد واجهنا عنفاً كثيراً من قبل الدولة... كلما تم تنظيم مسيرة [حاشدة]يُقتل الناس. لكن الناس في هذا الحراك سلميون، وهذا تطور تاريخي في مجتمع قبليالجميع فيه مسلحون. وأغلب المتظاهرين لديهم أسلحة مرخصة في بيوتهم، ويعرفون كيفيستخدمونها، لكنهم يفضلون السبل السلمية. [30]

 

أبحاث هيومن رايتس ووتش تشير إلى أن الأغلبية العظمى من المظاهرات الموسعةفي جنوب اليمن، لا سيما تلك التي وقعت في مراكز حضرية مثل عدن والمُكلا، لم يكنفيها متظاهرين مسلحين. وتسجيلات الفيديو لهذه المسيرات في مناطق الحضر، والكثير منالاحتجاجات على مستوى القرى، يظهر فيها بالاساس متظاهرون عُزل في اعتصاماتومظاهرات غير مسلحة. وروايات شهود العيان التي جمعتها هيومن رايتس ووتش تزعم أيضاًأن أغلب المظاهرات كانت سلمية. إلا أن المظاهرات الأساسية التي شهدت العنف من قبلالمتظاهرين، في أحيان كثيرة كان العنف يقع بعد محاولات من الأمن لوقف المظاهرات أوإطلاق الأمن النار على الحشود، مما أدى لرمي الحجارة رداً من المتظاهرين. وفيمناسبات نادرة، شمل عنف المتظاهرين إلقاء متفجرات بدائية مثل زجاجات المولوتوفوعجلات السيارات المحترقة. [31]

 

إلا أنه على حد علم هيومن رايتس ووتش في مرتين على الأقل وقعت مصادماتمسلحة بين رجال مسلحين وقوات الأمن، مما أدى لاتهام السلطات اليمنية للحراكالجنوبي بإيواء جناح مسلح. وقد وقعت الصدامات المسلحة في جبال الأحمرين بالقرب منالحبيلين، على بعد 100 كيلومتر تقريباً شمال شرق عدن، أواخر أبريل/نيسان ومطلعمايو/أيار 2009، وخلفت عدة جنود قتلى ومدنيين مصابين. وفي يوليو/تموز 2009، وقعصدام في زنجبار، عاصمة محافظة أبين، وخلف 12 قتيلاً على الأقل.

 

كما وقعت حوادث عنف هنا وهناك ضد مدنيين من الشمال في جنوب اليمن، ممايشير إلى تصاعد حدة التوترات بين أبناء المنطقتين. وفي يوليو/تموز 2009 قُتل ثلاثةشماليين في ردفان على يد من يُشتبه في كونهم متعاطفين مع الحراك الجنوبي. وفيالشهر نفسه، هاجم المتظاهرون وأحرقوا ونهبوا متاجر يملكها شماليون في المُكلا.

 

وفيما ما زالت هذه الحوادث استثنائية – وفيما تتناقض مع التوجه السلميالمُعلن ومسلك أغلب الحراك الجنوبي، وضمن ذلك مظاهرات ومسيرات من تنظيم المناصرينللحراك – فإن كل من هذه الحوادث تلقي الضوء على الطبيعة المشتعلة للموقف وخطرتصعيد العنف. والمصادمات المسلحة على الأخص تُظهر احتمالات نشوب نزاع مسلح يشملجميع أرجاء الجنوب، ويبدو أنها مؤشر على وجود عناصر متعاطفة مع أهداف الحراكالجنوبي لكنها على استعداد لتحقيق هذه الأهداف عبر وسائل عنيفة.

  

المصادمات المسلحة

  

رغم أن هيومن رايتس ووتش لم تتمكن من زيارة مواقع المصادمات في الحبيلينوزنجبار، فقد قابلنا أشخاصاً تحدثوا عن هذه الوقائع، وتحصلنا على توثيق شاملبتسجيلات الفيديو للأحداث في المنطقتين.

 

28 أبريل/نيسان – 7 مايو/أيار 2009: المصادمات في الحبيلين

 

في 28 أبريل/نيسان بدأ الجيش اليمني في نقل قوات جديدة إلى جبال الأحمرينفي بلدة الحبيلين، وفي إنشاء مواقع عسكرية تشرف على القرى في المنطقة، ونصب نقاطتفتيش جديدة. ومع تفاعل بعض أهالي القرى والبلدات المحليين بتنظيم الاحتجاجاتالسلمية في الحبيلين، فإن عناصر أخرى نفذت هجمات مسلحة استهدفت المواقع العسكريةالبعيدة عن القرى والبلدات. وطبقاً للتقارير الإعلامية، فإن المصادمات أسفرت عنوفاة خمسة عناصر أمنية على الاقل وشخصين مسلحين. [32]

 

وحصلت هيومن رايتس ووتش على تسجيل فيديو من صحفي محلي سافر برفقة مسلحينأثناء القتال إلى المنطقة، كما قابلنا الصحفي نفسه. ويُظهر تسجيل الفيديو جماعاتصغيرة من المسلحين يطلقون الرصاص من رشاشات أيه كيه 47 الأوتوماتيكية، تجاه مواقععسكرية على قمم الجبال البعيدة، بعيداً عن القرى المأهولة بالأسفل. [33] ثم يُرىفي تسجيل الفيديو موقعاً للجيش يتم منه إطلاق قذائف للدبابات والمدافع على القريةبالأسفل، مع تصاعد الدخان من أثر انفجار القذائف وسط البيوت. كما يُظهر التسجيلعدة مدنيين يظهر أنهم مصابين بشظايا من قصف الجيش للقرية. [34]

  

وأحد المسلحين على الشاشة يقول للصحفي أسبابه وراء اللجوء للقتال المسلح:

  

إننا نقاتل لصوص، محتلين. اليوم نسأل، أية وحدة؟ وحدة الدبابات القابعةفوق بيوتنا؟ لقد بدأوا إطلاق النار. ونهبوا أرضنا، واستهلكوا ثروتنا، ونفد صبرناعلى هؤلاء الطغاة ونفضل الموت. [35]

 

وبعد نحو أسبوع من المصادمات، في 3 مايو/أيار، حضر وزير الإدارة المحليةالسابق – عبد القادر هلال – إلى الحبيلين لتسوية المواجهة بين الجيش والمسلحينالمحليين. [36] وتم التوصل لاتفاق بين الشيوخ المحليين، وليس الحراك الجنوبي،والجيش، على إبعاد بعض النقاط العسكرية المُنشَئة حديثاً عن جبال الأحمرين، لكن لمتُنفذ الاتفاقات إلا جزئياً، طبقاً لأهالي القرى المحليين. إلا أنه منذ ذلك الحينتوقفت الهجمات المسلحة على الجيش إلى حد كبير في تلك المنطقة. [37]

 

ويبدو أن المصادمات المسلحة في الحبيلين لا علاقة تربطها بالحراك الجنوبي،بما أن رجالاً مسلحين نفذوا هجمات على أهداف عسكرية باسمهم وليس استجابة لدعواتالتحرك من الحراك الجنوبي. وهؤلاء المسلحون أنفسهم لم يستخدموا السبل السلمية أوأدّعوا اللجوء للمظاهرات السلمية أثناء شنهم للهجمات.

  

23 يوليو/تموز 2009: المصادمات حول بيت طارق الفضلي في زنجبار

  

صدام عنيف آخر وقع في 23 يوليو/تموز 2009، حول بيت الشيخ طارق الفضلي،الحليف الجنوبي السابق للرئيس علي عبد الله صالح، وأسفر عن مقتل 12 شخصاً علىالأقل وإصابة 18 آخرين على الأقل. [38]

 

وأصبح الفضلي حليفاً للرئيس صالح أوائل التسعينيات، وفي الحرب الأهلية عام1994 حارب إلى جانب صالح ضد الانفصاليين في الجنوب. وظل مورداً هاماً للمقاتلين"العرب الأفغان" خاصة في حرب 1994، ومناصراً للرئيس صالح منذ ذلك الحين.[39] إلا أنه في أبريل/نيسان 2009، غيّر الفضلي من ولاءاته، وتناقلت التقارير أنهأخر القيادات الخمسة لمجلس قيادة الثورة السلمية للجنوب، والذي كما هو مذكورأعلاه، يزعم أنه الجهة القيادية للحراك الجنوبي، وتم تشكيله في يونيو/حزيران 2009.[40] إلا أنه وكما قال لـ هيومن رايتس ووتش في مقابلة هاتفية، فإنه لا يبدو علىوفاق مع المنهج السلمي للناشطين الآخرين في الحراك الجنوبي:

 

أخوتي في الحراك الجنوبي لا ينصتون لي، لكن هذا النظام لا يفهم الحوارالسياسي، لا يفهم إلا القوة. أنا أفضل المقاومة [المسلحة] وإنشاء فرق عسكرية. [41]

 

وصدّق الفضلي على أن قلة من الحراك الجنوبي وافقوا على دعوته للمقاومةالمسلحة، وقال: "بصراحة، لا أجد أن أي من حلفائنا يفضلون رأيي. جميعهمبالإجماع يفضلون الدفاع [المحدود] عن النفس والخيار السلمي". [42]

 

وفيما أفاد الفضلي أنه انضم إلى الحراك الجنوبي فقط لأن جنوب اليمن"قضية احتلال الشعب وسلبه ثروته"، [43] فقد رفض دعاوى بأنه يريد إنشاءنظام إسلامي في الجنوب، وأعلن ترحيبه بالتعاون مع الدول الغربية. [44]

 

ووقعت مصادمات زنجبار في "مهرجان" نُظم في 23 يوليو/تموز ونظمهالفضلي لدعم الحراك الجنوبي في بيته بزنجبار، عاصمة محافظة أبين، الواقعة علىمسافة نحو 50 كيلومتراً شمال شرق عدن. وحصلت هيومن رايتس ووتش على تسجيل فيديويُظهر صوراً مختلفة تماماً عن الأحداث وروايات متظاهرين آخرين غير مسلحين قابلتهمالمنظمة.

 

فتسجيل الفيديو يُظهر حشد غفير يلوحون بالأعلام المناصرة لدولة جنوب اليمنقبيل الوحدة (رمز انفصالي) والدعوة للانفصال. ويظهر رجال مسلحون بين الحشد، منهممن يرفعون أسلحتهم في بعض الأحيان دعماً للمتحدثين على المنصة، وكذلك على أسطحالبنايات وراء علم كبير للجنوب. [45] ويُرى مسؤولين أمنيين حكوميين في عرباتعسكرية وشرطية على أطراف الحشد. [46]

ويظهر في تسجيل الفيديو تبادل لإطلاق النار بين مسلحين حول بيت الفضليوقوات الأمن. وليس من الواضح كيف اندلع القتال. [47] وفي مقابلة هاتفية لـ هيومنرايتس ووتش، أنكر الفضلي المزاعم الرسمية بأن أتباعه حاولوا إخلاء سبيل السجناء منالسجن المحلي، وأوضح أن قوات الأمن حاصرت المتظاهرين وأغلقت جميع الطرقات، مما لميدع مجالاً لهم إلا السجن الواقع على مسافة ثلاثة كيلومترات. وقال الفضلي لـ هيومنرايتس ووتش أن ضابطاً من الأمن السياسي هو أول من فتح النار، على المتظاهرين، وأنقوات الأمن انضمت إليه على الفور. [48]

 

أدلة تسجيلات الفيديو التي جمعتها هيومن رايتس ووتش تُظهر رجالاً مسلحينللفضلي يتعاملون فيما يبدو مع أسلحة مألوفة تشمل رشاشات أوتوماتيكية طراز أيه كيه47، وقاذفات صواريخ منخفضة طراز إم 72، وسلاح مضاد للدروع أو الدبابات. القتال فيبيت الفضلي دام يومين بين مناصرين مسلحين للفضلي وقوات الأمن، وهو من ثم مختلف عنإطلاق الذخيرة الحية دون استفزاز على المتظاهرين السلميين، وهي الأعمال التي وقعتبحق متظاهرين آخرين (موثقة أدناه). إلا أن التورط في مثل هذه المصادمات الخاصةبالفضلي – أحد من يُزعم أنهم من قيادات الحراك الجنوبي – تُعد تصعيداً مُقلقاَللموقف السياسي الراهن.

 

تصعيد التوترات بين أهالي الجنوب والشمال

 

ازدادت التوترات بين "الجنوبيين" و"الشماليين" فيالجنوب، الذين يرون في الأغلب الأعم أنهم متمايزون ثقافياً عن أحدهم الآخر. أثناءالمقابلات مع هيومن رايتس ووتش كثيراً ما أبدى الجنوبيون آراءً سلبية عن"تخلف" الشماليين، وفي بعض الأحيان سبّوا (لفريق هيومن رايتس ووتش)الشماليين المارين في الشوارع أثناء الانتقالات ما بين الاجتماعات والمقابلات.

وفي بعض الحالات تحولت التوترات إلى هجمات. ففي المُكلا، هاجم المتظاهرونونهبوا وأحرقوا متاجر يملكها شماليون. واتهم المتظاهرون رجال الأعمال الشماليينباتخاذ جانب قوات الأمن في قمعها للمتظاهرين، أو حتى المشاركة الفعالة في أعمالالمداهمة والعنف ضد المتظاهرين. ولجان حماية الوحدة، برعاية الدولة، وتتم مناقشتهافي موضع آخر من التقرير، شاركت في العنف ضد أهل الجنوب، ويزيد تشكيل هذه الجماعاتمن احتمالات العنف بين الطائفتين على المستوى المجتمعي.

حادث آخر مميت أودى بحياة ثلاثة شماليين صباح 10 يوليو/تموز 2009، فيمنطقة حبيل جبر في ردفان. عبد الحميد سعيد القطبي، 55 عاماً، وابنيه، فايز 14عاماً، وياسين، 19 عاماً، وصهره، خالد علي عبد الله، 25 عاماً، كانوا في طريقهم منمنزلهم إلى متجر الحلوى في منطقة "العسكرية" عندما أوقفهم مسلحون فيسيارتهم وأطلقوا عليهم النار. ياسين القطبي الذي فر بعد أن لحقت به إصابات ثماعتقد المهاجمون أنه لقي حتفه، قال لقناة اليمن التلفزيونية التي تديرها الدولة أنأسرته تلقت تهديدات متلاحقة بمغادرة المنطقة:

طلبوا منّا مقابلة علي سيف [الشعيبي] بالقرب من منزله في حبيل جبر. وبرفقةثلاثة مسلحين، استجوب [الشعيبي] أبي واتهمه بالتعاون مع المخابرات اليمنية وطالبهبالرحيل عن المنطقة لأنه شمالي ولا ينتمي للمكان. وقال له أبي أن يأخذ كل شيء ويتركنالحالنا، لكنه أصر على أن يعترف أبي بأننا عملاء للمخابرات. ثم أمر رجاله بإطلاقالنار على أبي، فلقي مصرعه. وقتل أيضاً أخي وعمي. [49]

وقالت قوات الأمن إنها كانت تبحث عن أربعة "مجرمين على صلة بالحراكالجنوبي". [50] ورفض زعيم الحراك الجنوبي ناصر الخبجي الإقرار بأية صلة بينواقعة القتل وحركته، وقال: "لقد قمنا بإدانة هذه الجريمة الشنعاء ضد أصحابالمتاجر. وليس بيننا وبين أخوتنا من الشمال أية عداوة، فهم يعانون القمعكالجنوبيين". [51]

 

القاعدة في اليمن والحراك الجنوبي

 

اليمن ملجأ لعدد كبير من قدامى المحاربين "الأفغان العرب" ممنشاركوا في الحملة ضد السوفييت في أفغانستان، وحاولت السلطات اليمنية ربط الحراكالجنوبي بالقاعدة، باتهامها كما هو واضح طارق الفضلي بالتواطؤ مع القاعدة. ورفضزعيم الحراك الجنوبي والنائب السابق بالبرلمان صلاح الشنفرة هذه الصلة بقوله:"لا صلات تربطنا بالقاعدة ونحن لا نقبل أي حديث أو موقف من هذا النوع[العنيف]". [52]

زعيم القاعدة في اليمن، ناصر الوحيشي، أعرب علناً عن تأييده للحراكالجنوبي. وفي 14 مايو/أيار 2009 في بيان صوتي له، قال الوحيشي لشعب الجنوب:"نحن في تنظيم القاعدة نؤيد ما تفعلونه من رفض للقمع ونؤيدكم ضدالحكومة". [53]

وربما كان الوحيشي يتحدث بالنيابة عن التنظيم في اليمن فقط، إذ ندت عنزعيم القاعدة على المستوى الدولي تعليقات بعد شهر يعلن فيها أن لا علاقة للتنظيمبدعم انفصال جنوب اليمن. وفي 22 يونيو/حزيران 2009 أنكر مصطفى أبو اليزيد – العضوبمجلس الشورى الأعلى للقاعدة على المستوى الدولي والمعروف بلقب "القائدالعام" للقاعدة في أفغانستان – أي دعم من القاعدة لانفصال الجنوب. أوضح أنالقاعدة تناضل لإنشاء دولة إسلامية موحدة، في اليمن أولاً، ثم في العالم الإسلامي:

 

أصل [حركتنا] هو توحيد الأمة الإسلامية بأسرها ودول الإسلام... إننا لاندعم الفصل [الانفصال]... سوف يأتي الحُكم الإسلامي ويحكم هذه الدولة العظيمةبدلاً من تشرذمها جماعات. [54]

وقد قلل بعض المحللين السياسيين اليمنيين واثنين من الدبلوماسيين الأجانبقابلتهم هيومن رايتس ووتش من شأن مزاعم وجود صلات مباشرة بين الحراك الجنوبيوالقاعدة. وأحد السفراء الأوروبيين نعت هذه المزاعم بأنها "أداة لتشتيتالانتباه" استخدمها المسؤولون الحكوميون. [55]

 

V . الاستخدام غير القانوني للقوة المميتة ضد المتظاهرين السلميين

 

منذ عام 2007 والحراك الجنوبي يُنظم مظاهرات واعتصامات ومهرجانات ومسيرات،هي في الغالب سلمية، بشكل شبه يومي، بالإضافة إلى غير ذلك من أشكال الاحتجاجالعلني، لإظهار صوت قضيتهم. وقوات الأمن من طرفها تلجأ بشكل مُتسق على نحو مقلقإلى فتح النيران على المتظاهرين، لتقتل وتصيب المتظاهرين العُزّل. ويبدو أنالسلطات اليمنية غير مستعدة للسماح بالعرض العلني لمظالم الحراك الجنوبي، بغضالنظر عن الطبيعة السلمية للحراك.

 

الأحكام القانونية الخاصة بحرية التجمع واستخدام القوة المميتة

 

الحق في حرية التجمع تصونه المادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوقالمدنية والسياسية، وتنص على: "لا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذاالحق إلا تلك التي تفرض طبقا للقانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي،لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أوالآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم". [56] واليمن دولة طرف فيالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية منذ عام 1987.

وأي قيد على حرية التجمع بناء على السلامة العامة أو الأمن القومي أوالنظام العام يجب أن يخضع لتفسير ضيق، وإلا فإن الأسس المبهمة الفضفاضة لفرض هذهالقيود قد تُستخدم لمنع جميع أشكال حرية التجمع تقريباً، لا سيما الاحتجاجات. [57]

والقانون اليمني الصادر عام 2003 بشأن تنظيم المظاهرات والمسيرات يدعومنظمي المظاهرات والمسيرات إلى إخطار السلطات ثلاثة أيام قبل الموعد المزمعللفعالية، إلا في حالة الاحتجاجات والتجمعات الصغيرة التي يعفيها القانون من هذاالمطلب الإجرائي. [58] وينبغي على المتظاهرين ألا يزرعوا "الفتنة" أويشككوا في "وحدة البلاد". [59] وفيما يسمح القانون الدولي لحقوق الإنسانللحكومات بالتحرك ضد الجماعات التي تستخدم العنف أو تروج له، فإنه لا يسمحللحكومات بحظر الجماعات لمجرد أنها من منطقة بعينها أو تروج للحكم الذاتي أو حتىالانفصال. [60]

القانون اليمني الخاص بالمظاهرات يحظر حمل السلاح في الفعاليات العامة.[61] ويطالب قوات الأمن بحماية المشاركين في المظاهرات وتوفير الرعاية الطبية لهم.وعلى قوات الأمن أن تُفرق حشود المتظاهرين في حالة ارتكاب جرائم، أو عندما تكونالمظاهرات غير مُعلنة، أو في حالة أعمال الشغب. [62]

استخدام القوة من قبل قوات الأمن الحكومية ذات صلاحيات إنفاذ القانونمحكوم بالمعايير الدولية. ومدونة الأمم المتحدة الخاصة بسلوك مسؤولي إنفاذ القانونورد فيها أن "مسؤولي إنفاذ القانون عليهم الامتناع عن استخدام القوة إلا فيحالة الضرورة القصوى وبالدرجة المطلوبة لأداء مهامهم". [63] ومبادئ الأممالمتحدة الأساسية الخاصة باستخدام القوة والأسلحة النارية تنص على أن على مسؤوليإنفاذ القانون "وبقدر الإمكان، اللجوء إلى السبل غير العنيفة قبل اللجوء إلىاستخدام القوة"، ولا يحق لهذه القوات استخدام القوة "إلا إذا تبينت عدمفعالية السبل الأخرى". [64] وفي حالة وجود ضرورة لاستخدام القوة، على مسؤوليإنفاذ القانون "ممارسة ضبط النفس في استخدام هذه القوة وبالدرجة المتناسبة معجدية الجريمة". [65] وورد في المبدأ 9 من المبادئ الأساسية:

على مسؤولي إنفاذ القانون الامتناع عن استخدام الأسلحة النارية ضد الأشخاصإلا في حالة الدفاع عن النفس أو عن آخرين ضد تهديد قائم بالموت أو الإصابةالجسيمة، أو لمنع ارتكاب جريمة جسيمة معينة تشمل تهديد جسيم للحياة، أو لاعتقال شخصيفرض مثل هذا الخطر ويقاوم سلطاتهم، أو لمنع فراره، وفقط في حالة عدم كفاية السبلالأقل خطورة في تحقيق هذه الأهداف. وعلى أية حال، فإن الاستخدام المميت عمداًللأسلحة النارية يجب عدم اللجوء إليه إلا إذا كان لا بديل له لإنقاذ الأرواح.

والمبدأ 10 من المبادئ الأساسية تطالب بأن يقوم مسؤولي إنفاذ القانون"بتوفير تحذير واضح لنيتهم استخدام الأسلحة النارية". [66] وتوضحالمبادئ الأساسية بما لا يدع مجالاً للشك أنه لا يمكن التحلل من هذه الأحكام بناءعلى "ظروف استثنائية مثل الاضطرابات السياسية الداخلية أو أية طوارئعامة". أي أنها معايير لا يمكن التحلل منها. [67]

وفي الاحتجاجات الستة التي تعمقت هيومن رايتس ووتش في التحقيق فيها،انتهكت قوات الأمن اليمنية جميع أوجه المبادئ الواردة أعلاه تقريباً. ففي أغلب هذهالاحتجاجات، لم يمثل المحتجون تهديداً على الشرطة أو آخرين بشكل يستدعي استخدامالقوة المميتة، فأغلب المظاهرات كانت سلمية وراح يردد فيها مدنيون عُزل شعاراتويرفعون اللافتات. وعندما بدأت أعمال إلقاء الحجارة أو غير ذلك من أعمال العنف،كان بإمكان قوات الأمن اللجوء إلى سبل غير مميتة لاحتواء هذا العنف. ولم تقم قواتالأمن في أي من المظاهرات التي حققت فيها هيومن رايتس ووتش، بدعوة المتظاهرين إلىالتفرق، أو هي أطلقت أعيرة نارية تحذيرية، أو غير ذلك من سبل تحذير المتظاهرينبأنها مقدمة على استخدام القوة المميتة. وفي أغلب هذه المظاهرات، لم تبذل الشرطةمحاولات جدية تُذكر لاستخدام سبل غير مميتة لتفريق الحشود، مثل خراطيم المياه أوالرصاصات المطاطية أو القنابل المسيلة للدموع. وعندما استخدمت الغاز المسيل للدموعتلتها على الفور باستخدام الذخيرة الحية.

وبالإضافة إلى شهادات الشهود التي جمعتها هيومن رايتس ووتش وتحقيقاتهاالميدانية في جنوب اليمن، تم التوصل إلى لقطات فيديو لهواة من المتظاهرين وُضعتعلى مواقع إلكترونية عامة. وأغلب هذه اللقطات تمثل تغطية خام وغير خاضعة لأي إعداديُذكر وتُظهر قوات الأمن في مواجهتها لمن يبدو أنهم متظاهرين سلميين عُزل، بالقوةالمميتة، وتتفق مع شهادات الشهود الموثقة أدناه.

وهذه الحالات الست تمثل النذر اليسير من إجمالي عدد حالات استخدام القوةالمميتة من قبل قوات الأمن أثناء المظاهرات في جنوب اليمن، لكنها تُظهر نمطاًمتسقاً بشكل مقلق للاستخدام غير القانوني للقوة من قبل قوات الأمن. والمنافذالإعلامية مثل الجزيرة وثقت استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين في تظاهرات أخرى.[68]

وقالت وزيرة حقوق الإنسان اليمنية، د. هدى البان لـ هيومن رايتس ووتش إنوزارتها أوصت قوات الأمن بمختلف أشكال السيطرة على الحشود، رداً على وقائع القتلفي الاحتجاجات الجنوبية. [69]

والحوادث التي وثقتها هيومن رايتس ووتش أدناه مُنظمة في ترتيب زمني عكسي،بدءاً بالحالات الأحدث ثم الأقدم. حالات إطلاق النار بشكل غير قانوني في مناطقحضرية مثل ساحة الهاشمي في عدن، موثقة بقدر أكبر من التفصيل، أكثر من الحالات فيمناطق ريفية بعيدة، حيث كان من الأصعب الاستماع إلى شهادات متعددة من شهود عيانعلى هذه الفئة الأخيرة من الحالات.

 

31 مايو/أيار 2009: الضالع

 

في 31 مايو/أيار خرج الآلاف من المتظاهرين في مسيرة في الشارع الرئيسيبمدينة الضالع، الواقعة نحو 100 كيلومتر شمالي عدن، وهو يرددون الشعارات ويرفعون اللافتاتالخاصة بالحراك الجنوبي. عبد الخالق مثنى عبد الله، المُدرس الناشط بالحراكالجنوبي، قال لـ هيومن رايتس ووتش كيف فتحت قوات الأمن النيران دون تحذير، لتتسببفي مقتل متظاهر وتُلحق الإصابات بآخرين:

وصلت حوالي التاسعة والنصف صباحاً، في الوقت الذي بدأت فيه المسيرة. كانتقوات الأمن موجودة هناك بالفعل. وبدأنا نسير في الشارع الرئيسي، وانضم أشخاص آخرونإلينا. وفجأة وفيما كنا نتحرك للأمام سمعنا طلقات نارية... وفي الوقت الذي بدأ فيهإطلاق النار، لم يكن هناك عنف [من المتظاهرين]، فقد كُنا في بداية مسيرتنا. وكانأمامنا حاجز للشرطة، لكننا لم نبلغه قط.

لم نسمع أي تحذيرات من قوات الأمن، ولم يطلبوا منا التفرق أو أي شيء؛ فذلكليس بأسلوبهم. ربما أطلقوا 10 إلى 20 رصاصة مباشرة على الحشد. ثم انشغل الجميعبمحاولة مساعدة المصابين. ودام الاحتجاج 15 دقيقة ثم انتهى بإطلاق النار. [70]

نفس الشاهد شهد مقتل متظاهر آخر، هو توفيق الجعدي، متأثراً بعيار ناري:"رأيت أحد المتظاهرين يسقط إثر إصابته برصاص في رأسه وكتفه". وأصيبمتظاهرين آخرين في ذلك اليوم. [71]

 

30 مايو/أيار 2009: شحر

 

في 30 مايو/أيار 2009 عقد مدنيون عُزل مظاهرة سلمية في بلدة شحر، مطالبينبالإفراج عن نحو 75 شخصاً محتجزين في مظاهرة نُظمت قبل يومين. وخرج المتظاهرون فيمسيرة إلى مسجد عمر في وسط المنطقة الشاطئية بالبلدة، ثم إلى سدة الخور، وكانوا فيطريقهم عائدين إلى مسجد عمر عندما واجهتهم قوة كبيرة من الأمن المركزي لمكافحةالشغب بأن اعترضت الطريق. ومع اقتراب المتظاهرين من خط الشرطة، بدأ الضباط أولاًفي إطلاق النار في الهواء، ثم على المتظاهرين مباشرة، طبقاً لشاهد عيان:

انتظرنا الأمن المركزي لدى منزل بوباك، وكانوا في صف منتظم. اقتربنا منهمفأطلقوا النار في الهواء، نحو 50 رصاصة على الأقل. لم يتوقف الناس رغم ذلك واقتربواحتى مسافة 5 أو 10 أمتارمن الشرطة. ثم بدأوا في إطلاق النار على الناس. [72]

رصاصات الأمن المركزي أصابت تسعة متظاهرين على الأقل، وأودت بحياة عواضسعد برام، 21 عاماً، وكان في الصف الأول. وطبقاً لأبيه وشاهد عيان آخر قابلتههيومن رايتس ووتش، أصيب عواض سعد برام في رأسه وبعدة رصاصات في ساقيه. ولم يتم فتحأي تحقيق في واقعة إطلاق النار المميتة هذه. [73]

21 مايو/أيار 2009: ساحة الهاشمي، الشيخ عثمان – عدن

 

في 21 مايو/أيار 2009، في الذكرى السنوية لإعلان الزعماء السياسيينالجنوبيين لاستقلال جنوب اليمن في 1994 (واليوم السابق على يوم الوحدة اليمني،إحياء لذكرى 22 مايو/أيار 1990، يوم توحيد الشمال والجنوب) اندلعت مظاهرة كبرى فيساحة الهاشمي التي تتوسط حي الشيخ عثمان في عدن. مظاهرة 21 مايو/أيار كانت كبيرةلأن رئيس جنوب اليمن المنفي، علي سالم البيض، كان قد خرج من صمته الطويل وفي مؤتمرصحفي في ميونخ دعى إلى انفصال جنوب اليمن. وقتلت قوات الأمن ثلاثة أفراد على الأقلوأصابت 25 إلى 30 آخرين رداً على المظاهرة.

وطبقاً لعدة شهود عيان، فإن قوات الأمن في عدة مرات فتحت النيران علىالمتظاهرين دون إعطاء تحذيرات وفي غياب أي تهديد قد يُبرر مثل هذه القوة. وبعد بدءقوات الأمن في إطلاق الذخيرة الحية على المتظاهرين، بدأ بعض المتظاهرين في إلقاءالحجارة على قوات الشرطة، التي ردت بمزيد من إطلاق النار. وإلقاء المتظاهرينللحجارة قد يكون فعلاً إجرامياً، لكنه لا يمثل مستوى التهديد الذي يبرر لقواتالأمن الاستخدام المتكرر للقوة المميتة.

عبد الناصر صالح أحمد عبيد، الطيار الحربي السابق الذي تم إجباره علىالتقاعد بعد الحرب الأهلية عام 1994، قال لـ هيومن رايتس ووتش كيف ملأ المتظاهرونالساحة في وقت مبكر من اليوم وأن قوة أمنية كبيرة كانت حاضرة بالفعل في انتظارهم:

وصلت حوالي التاسعة صباحاً. وكان الاحتجاج في ساحة الهاشمي. وكانت الساحةمليئة بالآلاف، كانت ممتلئة عن آخرها. راح الناس يرددون الشعارات ضد الفساد وحريةالجنوب. والأمن المركزي [قوات مكافحة الشغب] والحرس الجمهوري من صنعاء ووحداتجديدة بالآلاف ووحدات من الجيش كانت تملأ أرجاء الساحة. [74]

وطبقاً لأقوال عدة شهود عيان، فإن قوات الأمن سرعان ما هاجمت المتظاهرينبالغاز المسيل للدموع وبدأت في إطلاق الذخيرة الحية نحوهم. نصر نصر عبد اللهحاموزيبة، الجندي السابق الذي كان في الصف الأول من المتظاهرين يرفع لافتة عليهاشعارات الحراك الجنوبي، روى كيف أصيب عندما حاولت قوات الأمن المركزي منع مجموعتهمن دخول الساحة، أولاً بالغاز المسيل للدموع، ثم بالذخيرة الحية:

كنت أرفع لافتة في مقدمة المظاهرة، في الصف الأول. أردنا دخول الساحة منشارع الكريمي، القريب من الساحة. وصلت وحدات الأمن المركزي ببنادق الغاز المسيلللدموع وأطلقت علينا الغاز. ثم التقطت امرأة من الصف الأول حجراً وألقته علىالشرطة. وكان رجال الشرطة أمامنا، على مسافة نحو خمسين متراً، لكنهم كانوا يحيطونبنا أيضاً.

لكن أربعة جنود بدأوا في إطلاق النار نحو الصف الأمامي مباشرة. ولم يطلقوارصاصة أو اثنتين، بل أفرغوا ذخيرة بنادقهم وأطلقوا رصاصات كثيرة. سقط اثنان منامصابين، وأنا أُصبت في ساقي الأيمن وأصيب رجل آخر من ردفان في صدره. [75]

عبادي ناجي علي السهيل، ضابط الجيش الذي أُجبر على التقاعد عام 1994، أدلىلـ هيومن رايتس ووتش برواية مشابهة عن كيفية إصابته ذلك الصباح في الاحتجاج بساحةالهاشمي:

كان عدد الجنود والأمن أكبر من المتظاهرين وكانوا مُسلحين، وأغلبهم منالأمن المركزي. كان المتظاهرون يحاولون دخول ساحة الهاشمي من الشوارع الجانبية،والأمن في الساحة وفي الشوارع الجانبية. في البداية حاولنا الدخول من جانب شارعسوق عدن الدولي، لكنهم أطلقوا الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي علينا.

عندما بلغنا طرف ساحة الهاشمي كنا كثيرين. وقف الأمن أمامنا وأطلق عليناالنار، وأصيب ستة أشخاص، واحد تلو الآخر. وفي بعض الأوقات حاولنا الاقتراب [منالأمن] لحملهم على التراجع، وألقى الشباب عليهم الحجارة لكن قلنا لهم أن يكفوا عنهذا.

كنت ثالث شخص يُصاب ذلك اليوم، وقد أصيب ستة أشخاص في المكان، لكن إجماليالإصابات ذلك اليوم كان 23 إصابة. كنا واقفين في مكاننا بلا حراك في اللحظة التيأطلقوا فيها النار، وكنا نردد الشعارات. ثم تكثف إطلاق النار، وهناك عدة ثقوبلرصاصات في ثيابي. وكنت في الصف الأول من المتظاهرين عندما أُصبت، لكن لا أعرف إنكان الناس يرمون الحجارة وقتها، لكن بعد أن أُصبنا غضب الناس وألقوا المزيد منالحجارة. دخلت الرصاصة كاحلي واخترقته من الجانب الآخر. وما إن وقعت نقلوني إلىالمستشفى.

لم تقم الشرطة بتحذيرنا إطلاقاً قبل بدء إطلاق النار. [76]

محمد فاضل حيدر عزب، 15 سنة، روى لـ هيومن رايتس ووتش، كيف وبعد بدء إطلاقالنار غضب بعض المتظاهرين وألقوا الحجارة على قوات الأمن فأطلقوا عليهم المزيد منالرصاص:

كنا سلميين في البداية، ثم بدأوا في إطلاق النار فبدأنا في إلقاء الحجارةعليهم. أنا و[شاب] آخر، ألقينا الحجارة على الشرطة، وردوا بالذخيرة الحية. كنا علىمسافة نحو 50 متراً من الشرطة، والشرطة مختبئة خلف الجدران، فخرجوا من خلفهاوأطلقوا النار. أصبنا دروعهم بأحجارنا عدة مرات، لكننا كنا بعيدين عنهم. أطلقواعلينا عدة مرات، وعندما انتهت ذخيرة بنادقهم عبأوها من جديد. وكنا مئات من الشبابفي شجار مع الشرطة.

أصيب نحو 30 شاباً ذلك اليوم. أصبت في كاحلي برصاصة حية، وأصبت أيضاًبعبوة غاز مسيل للدموع في ساقي. [77]

عبد الخالق مثنى عبد الله، المدرس والناشط بالحراك، قدم لـ هيومن رايتسووتش رواية مشابهة عن المصادمات ذلك الصباح:

بوصولنا كان الغاز المسيل للدموع قد بدأ. اختبأ الناس وراء البنايات وفيالشوارع الجانبية، وراحت قوات الأمن تطاردهم في شتى الأرجاء. ثم عادت قوات الأمنإلى تشكيلها النظامي، وتقدم الشباب منهم، فطاردوا الشباب. ألقى الشباب الحجارة علىالشرطة وردت الشرطة بالذخيرة الحية.

كانت هناك مجموعة كبيرة من الشباب في الشارع الرئيسي. وكانت تفصل الشبابعن الشرطة مسافة كبيرة. أطلقت قوات الأمن النار مباشرة على الشباب وأصابتهم. ورأيتسبعة شباب يسقطون أمام عيني، وأحدهم أصيب في عنقه ومات، وآخر أصيب في رأسه ومات...راح الشباب يرجمون الشرطة بالحجارة عندما بدأ إطلاق النار، لكنهم كانوا على مسافةبعيدة منهم فلم يصيبوهم. وكانوا يرمون الحجارة فقط، ولا شيء غيرها. [78]

وطبقاً لعدة روايات صحفية، فإن ثلاثة أشخاص على الأقل ماتوا بعد إطلاقالنار على المتظاهرين، مات أحدهم في المصادمات، واثنان في المستشفى متأثرينبإصاباتهما. [79] والقتلى الثلاثة هم عبد القاسم محسن حسن الطلالي، وعبيد مثنى سيلالحليمي، وأديب عبده عبد الله البهري.

واستمرت قوات الأمن في استخدام الذخيرة الحية أثناء جهود نقل المصابين إلىالمستشفى. وإثر إطلاق النار في ساحة الهاشمي نقل المتظاهرون الجرحى إلى مستشفىخاص. وتجمع حشد كبير غاضب من المتظاهرين أمام المستشفى، حيث عالجتهم قوات الأمنمجدداً بالغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية، لتصيب متظاهرين آخرين. وقال أحدالحاضرين:

حين أُصبت، تعرضت لمشكلات أخرى في المستشفى. إذ كان المستشفى ممتلئاً عنآخره بالمصابين، وأقاربهم متجمعين للاحتجاج، وكان الزحام بالخارج شديداً. قواتالأمن المركزي [مكافحة الشغب] حضرت وفرقت الحشد بالغاز المسيل للدموع والذخيرةالحية، وأصيب آخرون، ومنهم عبد الله خالد، يبلغ من العمر نحو 20 عاماً، وأصيب فيجنبه وكان بحاجة لرعاية طبية في الخارج. وأطلقوا الغاز المسيل للدموع ودخل إلىالمستشفى، ونحن بالداخل اختنقنا من الغاز فأعطونا أقنعة. [80]

محافظ عدن عدنان الجفري أنكر في ذلك اليوم تماماً وقوع أية مصادمات وقال:"لم تقع مصادمات بين قوات الأمن والمتظاهرين في عدن". واتهم "عناصرمارقة" و"مخربين" بالتسبب في الوفيات، في محاولتهم لبث الاضطرابات،وليس قوات الأمن. [81]

 

15 أبريل/نيسان 2009: الحبيلين

 

صباح 15 أبريل/نيسان 2009، تجمع الآلاف من المتظاهرين في معهد معلمينردفان بالحبيلين، مسيرة ساعتين بالسيارة شمال شرق عدن، للاحتجاج على الاعتقالاتالأخيرة في ردفان وزيادة التواجد العسكري في المنطقة. وكان الأمن المركزي قد بدأبالفعل بالانتشار في منطقة المعهد منذ السادسة صباحاً، انتظاراً للمظاهرة. وطبقاًلأحد المشاركين: "ذهبت إلى المظاهرة لأن لي أصدقاء أصيبوا واحتجزوا. وقمنابالاحتجاج أمام بوابات المعهد. وكان أغلب الحشد طُلاب، لكن المدنيون انضموا إلينا،ورحنا نطالب بالإفراج عن المعتقلين". [82] كريم زين ثابت، 20 عاماً، الطالببالمعهد، وصف لـ هيومن رايتس ووتش كيف أصيب بعيار ناري:

حوالي الساعة 9:15 صباحاً، بدأ إطلاق النار، وكنت من أول المصابين، وأصبتبرصاصة حية في قدمي. وفتح عناصر الأمن المركزي من شاحنتين النار علينا، وكنا فيالشارع الرئيسي، ربما أطلق النار نحو 5 أو 6 جنود. وفتحوا النار من أسلحةأوتوماتيكية، فلم نتمكن من إحصاء الرصاصات، وأطلقوا على المتظاهرين مباشرة، علىأقدامنا... وفي المعهد قبل أن تفتح الشرطة النار، لم يتم إلقاء أي أحجار، ولم يتمإلقاء الحجارة إلا بعد إطلاق النار. ولم تحذرنا الشرطة إطلاقاً، بل خرجوا من شارعجانبي وتقدموا نحونا في الشارع الرئيسي ثم فتحوا النيران. [83]

وبعد بدء إطلاق النار نقل المتظاهرون الجرحى إلى مستشفى محلي، حيث وقعصدام آخر مع قوات الأمن. أيمن سالم محسن علي، 25 عاماً، الطالب، وصف كيف أصيب عندالمستشفى:

عند مستشفى ردفان، كنا نحو 300 متظاهر. رحنا نردد شعارات مثل:"الثورة الثورة يا جنوب!" وكان الأمن المركزي والأمن العام متواجدين،نحو 20 سيارة. لم تصدر منهم تحذيرات [التفرق]، بل فتحوا النار علينا بالذخيرةالحية، على الحشد تماماً، وأطلقوا البنادق الآلية نحو 15 دقيقة... وأصبت في خصريبرصاصة عندما فتحوا النار. [84]

شخصان على الأقل، هما ماجد حسين ثابت ولول محمد الحليمية، قُتلا جراءإطلاق قوات الأمن النار في هذا الحادث لدى المستشفى. [85]

 

4 يوليو/تموز 2008: مفرق الشعيب، الضالع

 

في 4 يوليو/تموز 2008، نظم الآلاف من سكان الضالع الواقعة نحو 100 كيلومتر شمال عدن،مظاهرة في بلدة مفرق الشعيب القريبة للدعوة للإفراج عن المحتجزين من الاحتجاجاتالسابقة. ونصب الأمن المركزي أربع نقاط تفتيش حول المتظاهرين، وكان هناك نحو 100ضابط شرطة في المنطقة. ولدى اقتراب المتظاهرين من خط الشرطة، فتحت الشرطة النارعليهم. وليد قاسم أسعد شعيبي، 25 عاماً، القيادي بمنظمة اتحاد شباب الجنوب، روى لـهيومن رايتس ووتش كيف أطلقت عليه الشرطة النار عندما فتحوا النار على المتظاهريندون تحذير:

تراجعنا في البداية، وقمنا بالتظاهر في منطقة أخرى، لكنهم أطلقوا النارعلى الأرض أمام أقدامنا ونحن نقترب من خطوطهم. وأصبت في الجزء العلوي من فخذيالأيسر، وأصبت جراء أربع رصاصات أخرى أصابت الأرض أمامي... لا أعرف إذا كانتالجروح بفعل الحصى المتناثر أم شظايا الرصاص الذي أصابني في ساقي... أقصر مسافةبين المتظاهرين والشرطة كانت نحو 10 أمتار، وعندها فتحوا النار. لم نحاول الاقترابأكثر من ذلك، وكنت بين من دعوا المتظاهرين إلى التراجع. ولم أكن حتى في الصفالأمامي لدى فتحهم للنار. [86]

13 يناير/كانون الثاني 2008: ساحة الهاشمي، عدن

في 13 يناير/كانون الثاني 2008، الذكرى السنوية لاندلاع القتال عام 1986بين جماعتين جنوبيتين متنافستين، تم تنظيم مظاهرة كبيرة في ساحة الهاشمي، في منطقةالشيخ عثمان بعدن. إذ يحتفل أهل الجنوب الآن بهذه الذكرى في مهرجان للتسامحوالتصالح ووحدة شعب الجنوب، وشملت المظاهرة في الساحة إلقاء كلمات لعدة سياسيينبارزين، منهم علي مناصر وحسن باعوم وناصر نوبا وشالا الشايع وعيدروس النقيب وأحمدبن عمر الفريد، طبقاً للمشاركين. [87]

وكان يملأ ساحة الهاشمي وبالقرب من المنصة تواجد أمني كثيف؛ عناصر منالأمن المركزي وشرطة النجدة والجيش والشرطة النظامية. وكانت البنادق الآلية منصوبةعلى سيارات للأمن، وأغلبها بنادق آلية طراز أيه كيه 47. ثم بدأت قوات الأمن في إطلاقالغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية على حشد المتظاهرين. ثابت عبيد حازمالقحوري، العقيد بالجيش الجنوبي الذي أُجبر على التقاعد عام 1994، روى لـ هيومنرايتس ووتش كيف أصابته قوات الأمن عندما فتحت النار على المتظاهرين السلميين:

كنت ضمن الأمن الخاص بالفعالية، فكنت في الصف الأول [بعيداً عن المنصة].ثم فجأة انطلقت رصاصات حية من خلفي. أصبت برصاصة من الخلف. ودخلت في فخذي الأيمن،وأصابت العضلة. وخلفي كان ضباط الأمن المركزي والنجدة والجيش والشرطة النظامية،على مسافة 40 متراً تقريباً. سمعت طلقات كثيرة لحظة إصابتي. [88]

لقي ثلاثة أشخاص على الأقل مصرعهم أثناء المداهمة في ذلك اليوم، طبقاًلثلاثة تقارير إخبارية. [89] أحدهم هو صالح أبو بكر البكري، من لحج. وأسرته رفعتقضية على لجنة أمن عدن في 17 يناير/كانون الثاني 2008، بتهمة إطلاق النار غيرالقانوني، لكن حتى الآن لم يتم فتح تحقيق أو جلسات في المحكمة بشأن مقتله. وبعدرفع القضية، تلقت الأسرة مكالمات هاتفية تهديدية من ضباط الأمن القومي، يقولون إنلم يتنازلوا عن القضية فسوف يخضعون للاحتجاز. [90]

دور الميليشيات الموالية للحكومة

الانتهاكات التي وثقتها هيومن رايتس ووتش في اليمن لا تقتصر على تلك التيارتكبتها قوات الأمن الرسمية. إذ توجد ميليشيات موالية للحكومة وضباط أمن في غيرالزي الرسمي تواطأت في الانتهاكات. زيادة أنشطة الميليشيات والجماعات غيرالقانونية تعرقل كثيراً من آليات مساءلة قوات إنفاذ القانون، مما يثير احتمال وقوعانتهاكات إضافية وعنف بين مختلف طوائف المجتمع. الرئيس علي عبد الله صالح أطلقتحذيراً من العنف بين طوائف المجتمع في أبريل/نيسان، إذ حذر قائلاً:

إذا وقع أي شيء للوحدة لا قدر الله، فلن تُقسم اليمن إلى قسمين، كما يعتقدالكثيرون، بل إلى عدة أقسام... سوف يقاتل الناس من بيت إلى بيت ومن نافذة إلىنافذة... يجب أن يتعلموا الدروس مما حدث في العراق والصومال. [91]

نشطاء حقوق الإنسان والنشطاء السياسيين الجنوبيين وكذلك الصحفيينالمستقلين الذين تحدثت إليهم هيومن رايتس ووتش قالوا إنهم يعتقدون أن الرئيس قررإنشاء ميليشيات موالية للحكومة معروفة باسم "لجان الدفاع عن الوحدةاليمنية"، في أبريل/نيسان 2009، أثناء مصادمات الحبيلين (انظر أعلاه)والاحتجاجات في الجنوب. هدف لجان الدفاع عن الوحدة اليمنية، حسبما يرون، هو تنظيممظاهرات مناوئة في الجنوب لصالح وحدة اليمن، لكن هذه الجماعات المشبوهة يبدو أيضاًأن لها يد في العنف ضد المتظاهرين. [92] وفي 25 مايو/أيار 2009، قابل الرئيس صالحزعماء قبائل موالين للحكومة ومسؤولين من المجالس المحلية في الحبيلين وردفانوالضالع في قصره بصنعاء، وتناقلت التقارير أنه قال لهم: "أنا واثق أنكمستبقون على ولاء لثورتي سبتمبر وأكتوبر"، ووعدهم بفتح معسكرات التدريبالعسكرية في الجنوب دعماً لوحدة اليمن. [93]

أعضاء اللجان المذكورة منهم أعضاء سابقين وحاليين في هيئات عسكرية وأمنية،وغيرهم من المسؤولين الحكوميين. [94]

الظهور الأول المعروف للجان كان عندما قامت مجموعة من الرجال المسلحينبالقرب من ملح بإيقاف شاحنة لصحيفة الأيام في طريقها لصنعاء، وصادروا وأحرقوا16500 نسخة من الصحيفة. وطبقاً للشهود، فإن عناصر مسلحة وغير مسلحة من لجان حمايةالوحدة ظهروا أيضاً أثناء المداهمات الأمنية التي استهدفت المتظاهرين، وقاتل عناصراللجان إلى جانب قوات الأمن في مجمع الفضلي في 23 يوليو/تموز 2009. [95]

عبد الناصر صالح أحمد عبيد، الطيار العسكري المتقاعد البالغ من العمر 45عاماً، قال لـ هيومن رايتس ووتش كيف كان حاضراً في مظاهرات 21 مايو/أيار 2009 فيعدن، واختبأ عن قوات الأمن لتفادي اعتقاله. وعندما حاول السير إلى بيته، فيالتاسعة والنصف مساءً، أوقفت مجموعة من الشماليين سيارته. ووصفهم بأنهم"جنجويد"، في إشارة مهينة للميليشيات الموالية للحكومة التي ترهبالمدنيين في منطقة دارفور بالسودان (وسبة جنوبية معروفة لوصف لجان حماية الوحدة).وعندما عثر الشماليون على ملصقات للرئيس السابق في المنفى لجنوب اليمن، علي سالمالبيض، في سيارة عبيد، قاموا بضربه بقسوة. وفي النهاية لكمه أحد المهاجمين في عينهبأداة معدنية صلبة، مما أدى لتمزق عينه وإصابته بعمى دائم في تلك العين. [96]

وفي الكثير من الحوادث العنيفة ضد منظمي المتظاهرين من قبل رجال في زيمدني، من المستحيل معرفة من المسؤول. عصام مهدي علي، القيادي بمنطقته في جناح شبابالحراك الجنوبي، تعرض للاحتجاز حوالي الساعة السابعة والنصف صباحاً في احتجاج ساحةالهاشمي 7 مايو/أيار 2009، وظل رهن الاحتجاز حتى بعد منتصف الليل على يد الأمنالسياسي، لأنه رفض توقيع تعهد بعدم المشاركة في المستقبل في الاحتجاجات. وبعدمنتصف الليل بقليل، تم نقله برفقة محتجز آخر إلى ساحة الهاشمي وأُفرج عنهما. وبدأفي السير إلى بيته، فتوقفت سيارة أجرة إلى جواره، وقال له السائق أن يركب. وهويفتح الباب الخلفي قبض عليه بعض الرجال من الداخل وأجبروه على ركوب السيارة. ونقلهالرجال إلى جزء غير مأهول من عدن، بالقرب من محطة كهرباء المدينة، حيث هددوهوعذبوه:

كانوا ثلاثة، أحدهم جنوبي والآخرين شماليين. كانوا يلفون رؤوسهم بالشال.توقفوا وسألوني أسئلة، وهم يحرقون السجائر على ذراعيّ. سألوني لماذا أساعد الحراك،قائلين إننا يجب أن نعيش جميعاً في ظل الوحدة، وإن علينا احترام الرئيس، وإنهسيمنحنا جميعاً حياة مريحة، وأشياء من هذا القبيل. ثم هددوني قائلين إذا شاركت فياحتجاجات 7 يوليو/تموز، فسوف يحفرون اسم الرئيس علي عبد الله صالح كاملاً في ذراعيبحرق السجائر فيه. [97]

الحرمان من الرعاية الطبية والهجمات ضد العاملين بالقطاع الطبي والمنشآتالطبية

طبقاً لبعض شهود العيان، ومنهم مسؤولين طبيين، فإن قوات الأمن زادت منصعوبة حصول المصابين على الرعاية الطبية، بأن أمرت المستشفيات العامة بعدم استقبالأو علاج المصابين جراء الاحتجاجات، ووضعت ضباط من الأمن السياسي وأجهزة أمنية أخرىفي المستشفيات، بل ونفذت هجمات داخل المستشفيات وأخذت مرضى مصابين من على أسرتهم.مثل هذه الأعمال تعرض حياة المصابين لخطر جسيم، وكان كثيرون منهم قد أصيبوا بأعيرةنارية على نحو غير قانوني من قبل قوات الأمن.

الحرمان من الحصول على الرعاية الطبية انتهاك جسيم لحقوق الإنسان. والعهدالدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يكفل "حق كل إنسان فيالتمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه". [98] وقد صدق اليمنعلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في 9فبراير/شباط 1987. ولجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنوطة بتفسيرالعهد، في تعليقها العام رقم 14 قالت: "حق العلاج يشمل إنشاء نظام للرعايةالطبية السريعة في حالة الحوادث". [99] وارتأت اللجنة أن "الحرمان منالوصول إلى المرافق الطبية" ينتهك التزام الدول باحترام الحق في الصحة. [100]

محمد فاضل حيدر عزب، الطالب البالغ من العمر 15 عاماً، أصيب في كاحلهبرصاصة حية أثناء احتجاجات 21 مايو/أيار 2009، ونُقل إلى المستشفى للعلاج. وقال لـهيومن رايتس ووتش إنه بعد أن أمضى يومين في المستشفى، حضر ضباط الأمن إلى المستشفىفي أربع شاحنات ونقلوه من فراشه إلى مركز شرطة القاهرة. وفي مركز الشرطة، سألهالضباط لماذا شارك في الاحتجاجات، ومن نظم المظاهرات، وأمروه بتوقيع ورقة يتعهدفيها بعدم المشاركة في المستقبل في المظاهرات، ثم أفرجوا عنه. [101]

أما قاسم أسعد شعيبي المصاب في فخذه الأيسر أثناء احتجاج مفرق الشعيب في 4يوليو/تموز 2008. فقد نُقل مباشرة إلى مستشفى الشعيبي العام، لكن حسبما قال لـهيومن رايتس ووتش، رفض الحراس في المستشفى إدخاله ومصابين آخرين إلى المستشفى،فاضطر للسعي للعلاج الخاص. وتم إخراج رصاصة عيار أيه كيه 47 من ساقه على يد طبيبخاص. [102]

ثابت عبيد حازم القحوري، ضابط الجيش المتقاعد المصاب في ساحة الهاشمي فييناير/كانون الثاني 2008، نُقل سريعاً على يد زملائه من المتظاهرين بالسيارة إلىمستشفى خاص، لكن في طريقهم أوقفتهم الشرطة لدى جولة مصنع الغزل والنسيج. وقالالضابط عند نقطة التفتيش إنه بحاجة للتحدث إلى رئيسه قبل السماح لهم بالمرور.القحوري أوضح أنه مصاب، لكن الضابط رد: "ما زلت بحاجة للتحدث إلىرئيسي". واضطروا للانتظار خمس دقائق قبل السماح لهم بالتحرك. وأمضى القحوريشهوراً في المستشفى للتعافي من جرح الرصاصة، وفي النهاية سافر إلى الهند لإجراءعملية بمبلغ 20 ألف دولار وظل قعيداً. ورفضت السلطات قبول قضية رفعها ضد قوات الأمن بتهمة إطلاق النار، وكان قدرفعها محامي القحوري. [103]

VI . الاحتجاز التعسفي والمحاكمات غير العادلة

قامت قوات الأمن منذ بدء الاحتجاجات في عام 2007 باحتجاز الآلاف منالمشاركين في المظاهرات والمارة – ومنهم أطفال – بشكل تعسفي. وهذه الاحتجازاتالتعسفية تتخذ ثلاثة أشكال: الاحتجاز الوقائي قصير الأجل لمنع المشاركين من بلوغالاحتجاجات ولمنع المظاهرات نفسها؛ الاحتجاز للمتظاهرين السلميين لفترات مطولةأحياناً؛ احتجازات طويلة الأجل بلا محاكمة تستهدف المشتبهين بكونهم قيادات فيالاحتجاجات. ولم يخضع للمحاكمة إلا بعض القيادات المحتجزين، في مواجهة اتهاماتمبهمة سياسية الدوافع مثل "المساس بالوحدة الوطنية" و"الدعوةللانفصال" أو التحريض عليه.

 

المعايير القانونية

 

القانون الدولي يحظر الاحتجاز والاعتقال التعسفيين. وطبقاً لفريق الأممالمتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، فإن الاحتجاز يصبح تعسفياً إذا لم توفرالسلطات أي سند قانوني صحيح يبرر الحرمان من الحرية، والحرمان من الحرية جراءممارسة حقوق أو حريات محمية، مثل حرية التعبير، أو في حالة وقوع انتهاكات للمعاييرالدولية للمحاكمة العادلة، جسيمة إلى درجة اتسام الحرمان من الحرية صفةالتعسف.[104]

والمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ورد فيها:"لا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفا. ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلالأسباب ينص عليها القانون وطبقا للإجراء المقرر فيه". ومن يتعرض للاعتقال يجبإخباره لحظة اعتقاله بأسباب اعتقاله ويجب أن يُخطر سريعاً بالاتهامات المنسوبةإليه. ومن يُنسب إليه الاتهام بأعمال إجرامية "يقدم... سريعا، إلى أحد القضاةأو أحد الموظفين المخولين قانونا مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلالمهلة معقولة أو أن يفرج عنه".[105]

وينص الدستور اليمني على أن "تكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصيةوتحافظ على كرامتهم".[106] ويحظر الدستور الاعتقالات والتفتيش والاحتجاز إلاإذا تم القبض على الشخص متلبساً بالجريمة أو بناء على أمر من قاضي أوالنيابة.[107] والدستور، الذي يحتوي على عناصر أساسية لإجراءات العدالة الجنائية،ينص أيضاً على أن النيابة العامة ينبغي أن توجه الاتهام إلى من يُعتقل بارتكابجريمة محددة في ظرف 24 ساعة، وأن القاضي وحده هو من يحق له تمديد الاحتجاز بمايتجاوز مدة الاحتجاز سبعة أيام الأولية من الحبس الاحتياطي.[108] وقانون العقوباتاليمني ينص على السجن بحد أقصى خمسة أعوام بحق المسؤولين الذين يحرمون الأفرادبالخطأ من حريتهم.[109]

الاحتجاز التعسفي الجماعي

لأن الاحتجاجات تُنظم في العادة ويُعلن عنها مقدماً، وكثيراً ما تكون خلالأيام السنة المهمة للجنوب، فإن قوات الأمن عادة ما تتمكن من التواجد بأعداد كبيرة،وتبدأ في اعتقال المشتبهين بتنظيم الاحتجاجات قبل المسيرات. وفي اليوم المُعلن عنهللاحتجاجات، فإن من يسافرون ويمرون بنقاط تفتيش على الطريق أو من يجدون أنفسهم علىمقربة من أماكن الاحتجاجات يتعرضون للاعتقال التعسفي. وفي الاحتجاجات نفسها،كثيراً ما تحاول قوات الأمن احتجاز المشتبهين بالمشاركة، وأحياناً ما تعتقلالمارة. الاتهامات الرسمية للمُعتقلين تشمل "المشاركة في احتجاج غير مرخصله" و"تهديد وحدة الدولة" لكن قلة قليلة من المعتقلين يخضعونللمقاضاة أو المحاكمة جراء هذه الاتهامات، طبقاً لمحتجزين سابقين وناشطين فيالحراك الجنوبي.[110]

دراسة حالة للاعتقال والترهيب: محمد عبد الله حسني

الكثير من ناشطي الحراك الجنوبي والمنظمات في الجنوب، واجهوا عدة فترات منالمضايقات والاعتقالات، ويأتي هذا عادة على غرار النمط الموضح للاعتقالات والترهيبوالضرب بحق محمد عبد الله حسني، المحامي الشاب وأحد المُنظمين في الحراك الجنوبيبعدن.

وفي 13 يناير/كانون الثاني 2008، انضم محمد عبد الله حسني إلى اعتصام فيساحة الهاشمي. فقام أربعة رجال مسلحين في ثياب مدنية باحتجازه ونقلوه إلى مقرالاستخبارات العسكرية في حي تواهي في عدن. وتحفظوا عليه طوال اليوم وضربوه أثناءالاستجواب. وقال:

في كل حجرة استجواب أربعة محققين. من الثامنة صباحاً إلى الرابعة عصراًراحوا يستجوبوني. وضربوني بمسدساتهم على ظهري وصفعوني. وسألوني من يناصر الحراك،وأهانوني، وقالوا إننا لسنا مسلمين حقاً، وإننا خونة وحشرات وكلاب. راحوا يضربونيطوال الوقت، وقالوا إنهم سيقتلونني، وأنني لا شيء، وأن لا أحد يعرف حتى بمكاني. ثمأخذوا بصمات أصابعي وأفرجوا عني.[111]

وفي 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2008، في الذكرى السنوية لاستقلال الجنوب عام1967 عن بريطانيا، حضر محمد عبد الله حسني مهرجاناً في ساحة الهاشمي بالشيخ عثمان.هذه المرة قبضت عليه الشرطة وهو يغادر المهرجان، ونقلته إلى مركز شرطة الشيخعثمان، حيث احتجزوه برفقة 200 مشارك آخرين في المهرجان، وتحفظوا عليهم خمسة أيامفي زنازين مزدحمة وفي أوضاع احتجاز سيئة:

مكثت في زنزانة خمسة أيام دون نسب اتهامات إليّ، وعاملونا كالمجرمين. لمنخرج من الزنزانة ولم يحدث أي شيء سوى هذا، ولم يصطحبونا للاستجواب قط. كنا 23متظاهراً في الزنزانة، لكن كان فيها أيضاً مجرمين، منهم قتلة، وإجمالي عدد شاغريالزنزانة كان 38 شخصاً. كانت المروحة في الممر ولا توجد مروحة في الزنزانة... أصيبأحد المتظاهرين فلم يسمحوا له بتلقي الرعاية الطبية. وأطلقوا سراحي بعد خمسة أيام.

بعد ستة أسابيع، في 13 يناير/كانون الثاني 2009، احتجزت قوات الأمن محمدعبد الله حسني مجدداً وهو في طريقه ذلك اليوم إلى احتجاج في ساحة الهاشمي. أوقفتهالشرطة في نقطة تفتيش، ونقلته من جديد إلى مركز شرطة الشيخ عثمان، حيث تحفظوا عليهأربع ساعات محبوساً في عربة الشرطة وكانت نوافذها موصدة.[112] ومن مركز الشرطةنقلته السلطات إلى سجن المنصورة، حيث كانوا يحتجزون المتظاهرين في زنزانتينكبيرتين، كل منهما تضم 350 شخصاً. وبدأت السلطات في الإفراج عن بعض المحتجزين فياليوم نفسه، لكنها نادت على المشتبهين في كونهم قيادات للحراك الجنوبي أو منظمينللمظاهرة بالاسم، ومنهم حسني، ووضعتهم في الحبس الانفرادي. وأمضى حسني ثلاثة أيامرهن الحبس الانفرادي في سجن المنصورة.

وإثر احتجاجات أبريل/نيسان ومطلع مايو/أيار رداً على المصادمات في ردفانوإغلاق صحيفة الأيام (انظر أدناه)، في 7 مايو/أيار 2009، ذهب محمد عبد الله حسنيإلى مركز شرطة الشيخ عثمان بصفته محامٍ وسأل عن أسماء المئات من المحتجزين. وأثناءمغادرته المركز، أوقفه رجال شرطة في ثياب رسمية ومدنية في عربتين بالقرب من مسجدالنور، وبدأوا في ركله وضربه بكعب البنادق والهراوات. ونقلوه وهو ينزف بغزارة إلىمركز شرطة الشيخ عثمان، الممتلئ عن آخره بالمحتجزين في ذلك الوقت. وقال متذكراً:"عندما وصلت إلى المركز، كان مزدحماً للغاية". ثم نقل المسؤولون حسنيإلى قسم التحقيق الجنائي لمزيد من الاستجواب، رغم أنهم كانوا قد بدأوا في الإفراجعن المحتجزين بعد انتهاء الاحتجاج. وأمضى ستة أيام في قسم التحقيق الجنائي معأربعة مشتبهين آخرين بأنهم من منظمي الحراك، في زنزانة تجمعهم بخمسة مشتبهين فيأعمال عنف، منهم رجل متهم بقتل اثنين بفأس. وفي 13 مايو/أيار بعد أن وقع صديق لهعلى "تعهد" قال فيه إنه سيبقى بعيداً عن المظاهرات، أفرجت السلطات عنه.

وقال حسني إنه تلقى "الكثير من التهديدات" منذ الإفراج عنه.وقال: "حاولوا اعتقالي عدة مرات، فلم أعد أنام في بيتي". وقال إن بعدأيام قليلة من الإفراج عنه، طعن بعض الرجال شقيقه، 23 عامأً، بسكين وهو في طريقهإلى متجر، وقالوا له: "فلنر إن كان الجنوب سينفعك". وعندما أبلغ حسنيالشرطة عن الهجوم، لم يتخذوا أية خطوات للتحقيق في الحادث.[113]

اعتقالات تعسفية أخرى

واجه بعض الناشطين الآخرين في الحراك الجنوبي معاملة شبيهة. نصر نصر عبدالله حموزيبة، ضابط الجيش المتقاعد، روى لـ هيومن رايتس ووتش كيف تم احتجازه برفقةثلاثة أصدقاء بشكل تعسفي في 13 يناير/كانون الثاني 2009، على مقربة من ساحةالهاشمي، حيث كان الناس متجمعين في احتجاج. وضعته الشرطة في شاحنة للشرطة برفقة 50محتجزاً آخرين ونقلته إلى مركز شرطة المندانة أولاً، قبل إحالته إلى الاستخباراتالعسكرية لأنه جندي متقاعد. وقال:

أمضيت ثمانية أيام في الاستخبارات، لكن أحسست كأنها ثمانية أعوام. كناجميعاً في حجرة صغيرة ليس فيها إلا مروحة واحدة، نحو 70 شخصاً في 3 حجرات. لكن لمنتعرض للضرب، فكانوا يسبونا فقط ويوجهون إلينا الإهانات. ثم أفرجوا عني وفقدت معاش[التقاعد] العسكري لمدة 6 أشهر.[114]

وفي 5 أو 6 يونيو/حزيران 2009، كان وليد قاسم أسعد شعيبي – رئيس اتحادشباب الجنوب في الضالع – خارجاً من سكن الطلاب في عدن عندما توقفت سيارة لشرطةالنجدة إلى جواره، وجذبه أربعة رجال مسلحين إلى داخل السيارة بعد أن أقر بشخصيته.ثم وضعوا حقيبة سوداء على رأسه ونقلوه إلى مقر الأمن المركزي في خور مكسر بعدن.وفي الطريق إلى هناك سأله رجال الأمن: "لماذا تحاول بث الكراهية بينالناس؟" وفي مقر الأمن، تم ربط يديه ووضع في هنجر كبير. بدأ رجلان فياستجوابه فيما كانا يلكمانه في رأسه وصدره وهما يقولان له: "أنت هندي، أنتصومالي، أنت لست يمنياً".[115] وعندما أوضح أنه انضم للحراك الجنوبي للنضالمن أجل حقوقه، قال له رجال الأمن: "لن تنال حقوقك إلا إذا اختفى الأمنالمركزي من الوجود".

وبعد الضرب والاستجواب، الذي يُقدر شعيبي أنه دام 25 دقيقة، رفض المسؤولونالسماح له بالاتصال بأسرته. وظل في نفس الحجرة ثلاثة أيام، دون مرحاض (وكان يتخلصمن فضلاته في ركن من الحجرة) والقليل من المياه والطعام، ودون المزيد منالاستجواب. وفي منتصف الليلة الثالثة، نقلوه بالسيارة إلى مفرق فندق عدن، وركلوهمن السيارة إلى الطريق. وقال: "ركلوني خارج السيارة بأحذيتهم. كنت نصف عارٍ،وراح المارة ينظرون إليّ كأنني مجنون".[116]

وقبل احتجاج كان من المقرر عقده في عدن يوم 7 يوليو/تموز 2009، وهو يومالوحدة اليمني، صعدت قوات الأمن والشرطة من حملة الاعتقالات التعسفية الوقائيةلدرجة غير مسبوقة. فقد نصبت الشرطة حواجز على الطريق في شتى أنحاء المدينة وعلىمدار اليومين السابقين على الاحتجاجات قبضت على الآلاف من الساعين للوصول إلى ساحةالهاشمي في الشيخ عثمان. وطبقاً لمحامي على دراية بأحداث ذلك اليوم:

احتجازات 7 يوليو/تموز مختلفة عما حدث من قبل. فالتحرك الأمني كان جاهزاًتحضيراً لذلك اليوم، واعتقلوا ناس كثيرين. لم تكن السجون كبيرة بما يكفي لتسعهمجميعاً، فنقلوا بعض المحتجزين إلى هناجر بل وحتى استاد 22 مايو الرياضي. أغلبالناس اعتقلوا في نقاط التفتيش في طريقهم إلى الاحتجاج. وفي 7 يوليو/تموز لم يقعاحتجاج موسع في عدن بسبب الاعتقالات.[117]

وفي 2 يوليو/تموز، قبل خمسة أيام من احتجاج 7 يوليو/تموز، اعتقلت السلطاتاثنين من قيادات الحراك الجنوبي، قاسم الضعيري وعلي محمد السعدي، العضو في مجلسقيادة الثورة السلمية، والظاهر أن القصد وراء الاعتقال كان منع الاحتجاجات.[118]

 

الاحتجاز طويل الأجل دون نسب اتهامات

 

رغم أن السلطات اليمنية أفرجت عن الأغلبية العظمى ممن احتجزتهم على ذمةالاحتجاجات على وجه السرعة، إلا أن المئات من المؤيدين والزعامات المشتبهينبالحراك الجنوبي احتجزوا لفترات أطول من ستة أشهر، وفي الأغلب دون مراجعة قضائيةلاحتجازهم أو اتصالهم بمحاميهم. ولم يُسمح بالاتصال بالأسرة أو المحامين إلا بعدعدة أيام من الاحتجاز. وفي زيارة غير مُعلنة إلى المُكلا يوم 14 يوليو/تموز 2009،قابل باحثو هيومن رايتس ووتش في يوم واحد أهالي 24 شخصاً في ذلك الحين كانواخاضعين للاحتجاز طويل الأجل دون اتهامات، وأشار الأهالي إلى وجود المزيد منالمحتجزين الآخرين. ويُقدر أحد أعضاء حزب سياسي مُعارض أن المحتجزين منذ مايو/أيار2009 يتراوح عددهم حول 200 شخص ما زالوا متهمين دون نسب اتهامات. وفي 27أبريل/نيسان اتخذ احتجاج في المُكلا طابع العنف، وكان سجن الشرطة والسجن المركزيومقر الأمن السياسي في المُكلا جميعاً مزدحمة بالمحتجزين الذين تم القبض عليهمأثناء الحملة التي تلت الاحتجاج العنيف. ومن بين المحتجزين أطفال (انظر أدناه)وكذلك مسنين: سليم عبادي، أحد من ظلوا رهن الاحتجاز حتى كتابة هذه السطور للاشتباهبتطوره في الحراك الجنوبي، يبلغ من العمر 81 عامأ.[119] وقد فر المئات الآخرون منالمُكلا إلى مناطق جبلية للفرار من الاعتقال والاحتجاز التعسفيين.

اعتقالات المُكلا إثر عنف 27 أبريل/نيسان يبدو أنها كانت معممة وتعسفية.على سبيل المثال، في 28 أبريل/نيسان داهم رجال الأمن المركزي فندقاً في المُكلا،واعتقلوا منه 15 رجلاً كانوا يمضغون القات في ذلك التوقيت، والكثير منهم حضروااحتجاج اليوم السابق.[120] ومن المُحتجزين السعيد بافراج، في الثلاثينات، وابنأخته، نصر عبد الله بامثقال، 25 عاماً، وكلاهما حضر احتجاج 27 أبريل/نيسان. وتعرضالرجال للضرب المبرح حتى إن نصر عبد الله بامثقال نُقل إلى المستشفى (في ظل حراسةالشرطة) بعد ذلك. وفي وقت زيارة هيومن رايتس ووتش أواسط يوليو/تموز، كان الاثنانرهن الاحتجاز في السجن المركزي للمُكلا، للاشتباه في "المساس بالوحدةالوطنية"، لكن لم يمثلا للمحاكمة، مثل الكثير من المحتجزين في المُكلا.[121]

وتستمر قوات الأمن في البحث عن شقيقي نصر عبد الله بامثقال، ياسر عبد اللهبامثقال، 33 عاماً، ومحمد عبد الله بامثقال، 40 عاماً، وقد فرا إلى الجبالالتماساً لحماية قبيلتهما، كما فعل الكثير من المطلوبين من ناشطي الحراك الجنوبي.ولمّا لم يتمكن الأمن من الوصول إلى الرجلين، احتجزت أحد أصهارهما في 27يونيو/حزيران، واستجوبته لمدة ساعة عن مكانهما. كما تكرر احتجاز قوات الأمن لشقيقآخر للرجلين المطلوبين، وهو جمال عبد الله بامثقال، وهو مُعاق ذهنياً، واحتجزته"رهينة" لإجبار الشقيقين على التسليم.[122]

وفي قضية نموذجية أخرى على أعمال الأمن، احتجز الأمن السياسي ناصر محفوظباقزقوز، 32 عامأ، وهو مُعلم جغرافيا يرأس فرع المُكلا لحزب التجمع الوحدوي، بعديومين من إلقاءه كلمة في مسيرة 27 أبريل/نيسان. وتم احتجازه 45 يوماً، وأُفرج عنهلمدة أربعة أيام ثم عاودوا القبض عليه. وكان رهن الاحتجاز في السجن المركزيبالمُكلا في التوقيت الذي زارت فيه هيومن رايتس ووتش المدينة أواسطيوليو/تموز.[123]

ورغم صعوبة مراقبة الاعتقالات والاحتجاز التعسفيين المعممين في ريف جنوباليمن، فيبدو أن مثل هذه الأعمال وقعت في عدة مناطق ريفية جنوبي اليمن. فطبقاًلعبد الله سليم جمبين، رئيس الحزب الاشتراكي اليمني في بلدة الشحر، الواقعة نحو 30كيلومتراً شرقي المُكلا، فإن 83 شخصاً كانوا رهن الاحتجاز (وقت زيارة هيومن رايتسووتش أواسط يوليو/تموز) بعد اعتقالهم بين 28 و30 مايو/أيار. وفي 7 يوليو/تموز، كان20 شخصاً آخرين محتجزين في الشحر، منهم سبعة قُصّر. أربعة من الأشخاص المحتجزينيوم 7 يوليو/تموز تعرضوا للضرب المبرح من قبل قوات الأمن، ومنهم اثنين نُقلواللمستشفى جراء الإصابات.[124]

الإحالة إلى الاستخبارات العسكرية والأمن السياسي

منذ بدء الاحتجاجات في عام 2007، فإن بعض المحتجزين في الجنوب، خاصة منيُعتقد أن لهم دور قيادي في حركة الاحتجاجات، أحيلوا إلى الاستخبارات العسكريةوالأمن السياسي في صنعاء للمزيد من التحقيق والاستجواب. وفي قضايا نادرة، تحركتالسلطات لمحاكمة قيادات من الحراك الجنوبي بناء على اتهامات منها المساس بالوحدة،لكن لم تنتهي أي من هذه المحاكمات حتى الآن إلى صدور أحكام.

ومن بين أول من تعرضوا للاعتقال العميد المتقاعد ناصر النوبة، رئيس جمعيةالعسكريين المُسرحين، وهي منظمة ظهرت مبكراً للاحتجاجات والاعتصامات من قبلالعسكريين المتقاعدين قسراً. النوبة تعرض للاحتجاز من بيته في عدن في 2سبتمبر/أيلول 2007، وبصفته ضابط عسكري، فقد أحيل إلى الاستخبارات العسكرية في 8سبتمبر/أيلول 2007، وبعد ذلك نسبت إليه محكمة عسكرية الاتهام بالخيانة لطعنه فيوحدة اليمن باعتبارها غير قانونية. وفي 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2007، تم الإفراجعنه قبل أن تصل المحكمة إلى حُكم، بموجب عفو رئاسي.[125]

محتجزون آخرون في الأمن السياسي بصنعاء لم يُنسب إليهم الاتهام قط أو هممثلوا أمام المحكمة، كما يتطلب القانون اليمني. فقد احتجزت قوات الأمن اثنين منالحرس الشخصي لنائب البرلمان ناصر الخبجي في 13 مايو/أيار 2008، في اعتصام للضباطالعسكريين المسرحين في الحبيلين، وفيه تحدث الخبجي، ونقلوهما إلى الأمن السياسي فيصنعاء بعد خمسة أيام. وأحد الحارسين، نصر محمد صالح، 24 عاماً، تحدث عن معاملته فيالأمن السياسي في صنعاء:

وضعونا في الحبس الانفرادي [لمدة 17 يوماً] وفي الاحتجاز لمدة 3 أشهر و14يوماً في صنعاء. كانوا يقومون باستجوابنا في الليل بدءاً من اليوم الأول. كانوايعصبون أعيننا ويوثقون رباط أيدينا، ويستجوبونا في قبو تحت المبنى، بعد أن يوقظوناليلاً. كان يستجوبنا اثنان، ويسألون عن علاقتنا بالنائب ناصر الخبجي، وأين يختبئ،ومن هم زعامات الحراك. تعاونت مع أسئلتهم، وقلت لهم ما يريدون معرفته. ولم أتعرضللضرب أو التعذيب، فقط سوء المعاملة نفسياً، لاستيقاظي ليلاً، لكن كنت أسمع آخرين[من المحتجزين] يصرخون من الألم.

نُقلت إلى المحكمة أثناء هذه الشهور الثلاثة، ولم يُسمح لي بإجراء مكالماتهاتفية، ولم أر أي من أقاربي أو محامين... وفي سبتمبر تم التوصل إلى قرار بالإفراجعني [والحارس الشخصي الآخر].[126]

تم اعتقال 12 قيادياً آخر من الحراك الجنوبي ونقلوا إلى صنعاء في أبريل/نيسان2008، ومنهم حسن باعوم ويحيى غالب شعيبي.[127] أمضوا ستة أشهر في سجن الأمنالسياسي في زنازين تحت الأرض، ثم نُسب إليهم الاتهام فيما بعد بالمساس بوحدةاليمن. الرئيس صالح أفرج عن القيادات الاثني عشرة في قرار عفو صدر فيسبتمبر/أيلول. وفر باعوم إلى خارج البلاد بعد الخروج، والشعيبي مختبئ في منطقةريفية خشية التعرض للاعتقال مجدداً إذا عاد للمدينة.[128] وأغلب قيادات الحراكالجنوبي مختبئون في الجبال فراراً من الاحتجاز التعسفي والاتهامات السياسية.[129]

وفي عام 2009 استمرت السلطات في الاعتماد على اتهامات سياسية مريبة ضدزعامات الحراك الجنوبي. في أبريل/نيسان اعتقلت السلطات قاسم عسكر جبران، السفيرالسابق لجمهورية اليمن الديمقراطية إلى موريتانيا، واتهمته بـ "المساسبالوحدة والتحريض على قتال السلطات".[130] وتم نقل جبران إلى سجن الأمنالسياسي في صنعاء وقُدم للمحاكمة، وتم تجميد المحاكمة بعد جلستين دون إبداء أسباب.وأفادت صحيفة يمن تايمز أن أثناء جلسة 3 يونيو/حزيران، أدخلت النيابة ضمن الأدلة"خطب ووثائق ومنشور بعنوان: مشروع عن رؤية النضال السلمي لقضية الجنوبومستقبل شعب جنوب اليمن، ووثيقة تفيد بالانتماء إلى المجلس الوطني الأعلى للتحريرواستعادة دولة اليمن الجنوبي".[131] وهو ما زال رهن الاحتجاز.

 

احتجاز الأطفال

 

اتفاقية حقوق الطفل تُعرف الطفل بأنه " كل إنسان لم يتجاوز الثامنةعشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه".[132]

كما تحدد اتفاقية حقوق الطفل عدة معايير لاحتجاز الأطفال، وتنص على أنالاعتقال والاحتجاز والحبس للأطفال "لا يُستخدم إلا كحل أخير ولأقصر فترةزمنية ممكنة".[133] ويجب مراعاة المصلحة الفضلى للطفل أثناء النظر في قرارالاحتجاز.[134] المبادئ الدولية لاحتجاز الأحداث تطالب أيضاً بإخطار ولي الأمر أوالوصي فور القبض على

الطفل.[135] ومن المتطلبات الأساسية في القانون الدولي، فصل الأطفال عنالبالغين أثناء الاحتجاز.[136] كما تتطلب المعايير الدولية فصل الأطفال الذين لميُحاكموا بعد عن الأطفال المُدانين بجرائم.[137]

وكان الأطفال من بين من تعرضوا للاحتجاز في المظاهرات. وفيما تم الإفراجعن بعضهم بعد ساعات قليلة، إلا أن هيومن رايتس ووتش وثقت ثلاث حالات لأطفال تحت سن18 عاماً تعرضوا للاحتجاز لأيام وأسابيع دون نسب اتهامات إليهم، وبعضهم فاتتهاختبارات المدرسة بسبب احتجازهم. وأثناء مراجعة قائمة بـ 69 محتجزاً من حضرموتنُشرت على موقعAdenpress.com ، أشار ناشط منالحراك الجنوبي من الشحر إلى أن أربعة أطفال محتجزين يبلغ عمرهم 14 و14 و15 و16عاماً، هم من مدينته.[138] وفي جميع الحالات الموثقة من قبل هيومن رايتس ووتش، تماحتجاز الأطفال برفقة البالغين. وتحتجز السلطات الأطفال مع البالغين في بلدات ومدنالجنوب الأخرى: طبقاً للحزب الاشتراكي اليمني في الشحر، فإن سبعة أطفال تعرضواللاحتجاز هناك يوم 7 يوليو/تموز 2009، وظلوا رهن الاحتجاز حتى بعد 10 أيام من ذلكالتاريخ.[139]

عمرو حباني، 13 عاماً، تعرض للاحتجاز التعسفي في 8 يوليو/تموز، وكان رهنالاحتجاز منذ سبعة أيام عندما قابلت هيومن رايتس ووتش أمه. وكانت قد أخذته إلىمديرية الشرطة في المُكلا في شأن آخر، وهناك، حسب قولها "أخذ المقدم عمرو منيده وقال إنه يجب اعتقاله".[140] وفي اليوم السابق، احترق متجر لرجل منالشمال أثناء احتجاج في المُكلا، وظن الشرطي أن عمرو مشتبه بالفعلة. وقالت أمه إنالأسرة تعيش إلى جوار المتجر المحترق، لكن عمرو كان نائماً إلى جوارها عندما احترقالمتجر. وتمكنت أم عمرو من زيارته لأول مرة في 14 يوليو/تموز، في مكتبالنيابة.[141]

وفي قضية متصلة، سألت شرطة المُكلا في 9 يوليو/تموز 2009 والد لصبيين فيسن المراهقة، هما عمر بانبوع، 19 عاماً، وعماد بانبوع، 16 عاماً، أن يُحضر ابنيهإلى مركز الشرطة. وفي مركز الشرطة اعتقلت الصبيين، وأرسلت الوالد إلى بيته.والفتيان، وبينهما عماد، الطفل، كانا ما زالا رهن الاحتجاز في 14 يوليو/تموز عندماقابلت هيومن رايتس ووتش أقاربهما. وقال الأب لـ هيومن رايتس ووتش إن الصبيين كانافي زنزانة مزدحمة برفقة مشتبهين بالغين. وقال: "اشتكى الطفلان من أن الزنزانةمزدحمة للغاية، وأن الكبار يدخنون كثيراً".[142] وطلب ضابط شرطة رشوة بمبلغ11 ألف ريال يمني (55 دولاراً) وحصل عليها، للإفراج عن الصبيين في 9 يوليو/تموز،لكن حتى 14 يوليو/تموز، كانا ما زالا رهن الاحتجاز.[143]

وفي 21 يونيو/حزيران، احتجزت قوات الأمن محمد حسين السقاف، 16 عاماً، وأحدزملائه في المدرسة، يبلغ من العمر 16 عاماً، عندما حاولا الذهاب لزيارة صديق بالغأثناء احتجازه في مركز شرطة باداود في المُكلا. وتم الإفراج عن الصديق في الليلةنفسها، لكن الشرطة قالت لأبي محمد أنها تلقت أوامر من الأ/ن السياسي بالتحفظ علىمحمد رهن الاحتجاز. وبعد أسبوع على احتجازه، حضر عشرون رجل أمن لتفتيش منزله. وكانمحمد ما زال رهن الاحتجاز وقت زيارة هيومن رايتس ووتش أواسط يوليو/تموز، وطبقاًلأبيه، فإنه كان محتجزاً طرف الأمن المركزي في زنزانة جماعية، برفقة بعض الأطفالالآخرين ونحو 50 بالغاً.[144]

 VII . الرقابة علىالصحافة والخروقات بحق الصحفيين والصُحف

داهمت حكومة صنعاء التغطية الإعلامية المستقلة والجنوبية الحزبية لأحداثالجنوب. فالتعبير الحر في اليمن يعتبر تحت الحصار.

في 4 مايو/أيار 2009، أوقفت وزارة الإعلام عن النشر ثماني صحف يوميةوأسبوعية مستقلة جراء تغطيتها لأحداث الجنوب.[145] وطبقاً لمحامين يمنيين كان هذاإجراء غير مسبوق وغير قانوني.[146] ثم سُمح للصحف الأسبوعية بمعاودة النشر فيأواخر يونيو/حزيران.

وفي 11 مايو/أيار 2009، أنشأت الحكومة محكمة جديدة لمحاكمة الصحفيين.وبحلول يوليو/تموز بدأت المحكمة تنظر في بعض القضايا.[147] وتوجد نيابة منفصلةلقضايا الصحافة والمطبوعات، وفي الماضي أحالت تلك النيابة الصحفيين والمشتغلينبالإعلام إلى المحكمة جراء انتهاكات مزعومة لقانون العقوبات وقانون الصحافةوالمطبوعات.

الانتهاكات بحق الصحفيين والمحررين والمدونين وكُتاب الرأي الموثقة أدناه،بينما هي فريدة من نوعها لما تحمل من حدة، فهي ليست بالظاهرة الجديدة في اليمن. فيعام 2008 انتهت بحوث هيومن رايتس ووتش في انتهاكات حقوق الإنسان المُرتكبة في سياقالنزاع المسلح بين المتمردين الحوثيين والقوات الحكومية شمالي اليمن، إلى وجودإجراءات تضييق مشددة على حرية التعبير، وحملة واسعة النطاق من التهديدات والمضايقات،والاعتقالات التعسفية، والاتهامات المُختلقة بحق الصحفيين وغيرهم من قادةالرأي.[148]

المعايير القانونية الخاصة بحرية التعبير

المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تكفل الحق فيحرية التعبير:

لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروبالمعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكلمكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.[149]

ويسمح القانون الدولي بتقييد حرية التعبير "لحماية الأمنالقومي"، لكن هذا التقييد لا يشمل التعبير السلمي عن مطالب الانفصال، كما وردفي مبادئ جوهانزبرغ عن الأمن القومي وحرية التعبير والحصول على المعلومات.[150]

قانون الصحافة والمطبوعات اليمني لعام 1990، الذي حدد صلاحيات وزارةالإعلام وينظم حرية الصحافة، يُعتبر على الورق أحد أكثر قوانين الصحافة حرية فيالشرق الأوسط. فقد وردت فيه جملة من الحريات للصحفيين، وحقوق المواطنين في حريةالصحافة:

حرية المعرفة والفكر والصحافة والتعبير والاتصال والحصول على المعلومات حقمن حقوق المواطنين لضمان الإعراب عن فكرهم... الصحافة المستقلة تمارس رسالتهابحرية... الصحافة حرة فيما تنشره وحرة فياستقاء الأنباء والمعلومات من مصادرها... حماية حقوق الصحفيين والمبدعين وتوفيرالضمانات القانونية اللازمة لممارسة المهنة وحقهم في التعبير دون تعرضهم لأي مسألةغير قانونية يكفلها القانون، مالم تكن بالمخالفة.[151]

إلا أنه رغم التأكيد على أن "الصحافة مستقلة"، فإن الديباجةنفسها تضع عبئاً ثقيلاً على الصحافة: "تمارس رسالتها بحرية في خدمة المجتمعوتكوين الرأي العام والتعبير عن اتجاهها بمختلف وسائل التعبير في إطار العقيدةالإسلامية والأسس الدستورية للمجتمع والدولة وأهداف الثورة اليمنية وتعميقالوحدة".[152]

ويفرض القانون محاذير مبهمة فضفاضة على أنواع الأنباء التي يمكن نشرها.فالسلطات اليمنية استخدمت المادة 103 للرقابة على الصحافة المستقلة. وهي تحظرانتقاد رئيس الدولة وكذلك نشر أية موضوعات "تبث روح الشقاق والتفرقة بينأفراد المجتمع" أو "تؤدي إلى ترويج الأفكار المعادية لأهداف ومبادئالثورة اليمنية أو المساس بالوحدة الوطنية أو تشويه التراث والحضارة اليمنيةوالعربية والإسلامية".[153]

عقوبات انتهاك هذه المحظورات، إذا ثبتت في المحكمة، تشمل إغلاق المطبوعاتومنع الصحفيين من مزاولة مهنة الصحافة، وغرامة بحد أقصى 10 آلاف ريال يمني (50دولاراً) والسجن لمدة عام، رغم أن صحفيين قد حُكم عليهم بفترات أطول من السجن جراءمقالات حساسة.[154] كما يحق لوزارة الإعلام مصادرة أية مطبوعة أو صحيفة "إذاتم الطبع أو الإصدار والتداول خلافاً" لقانون الصحافة والمطبوعات، لكن"يُعرض الأمر على القضاء للنظر في مصادرة الأشياء المحجوزة عليها"،ولأصحاب الشأن في الصحيفة الحق في"اللجوء إلى القضاء للطعن بقرار الحجز والمطالبة بتعويض ".[155]

 

" الخطوط الحمراء": الرقابة الذاتية التي فرضتها الحكومة

 

انتهاكات حقوق الإعلام في اليمن لا تتوقف فقط على مصادرة الصحف واعتقالالصحفيين وغيرها من أشكال الاضطهاد الشبيهة، بل هنالك أيضاً جهود مبذولة لضمانممارسة الإعلام لرقابة ذاتية وعدم تخطي "الخطوط الحمراء" وهي القضاياالمحظور تداولها في الإعلام والتي قد تؤدي إلى مصادرة أعداد الصحف، أو حتى الاعتقالوالمقاضاة للصحفيين أو رؤساء التحرير. هذه "الخطوط الحمراء"، ليستمكتوبة في كل الحالات، وهي معروفة من قبل الصحفيين ورؤساء التحرير ولا تقتصر علىأحداث جنوب اليمن. وروى أحد المحررين لـ هيومن رايتس ووتش كيف كتب مسؤولون منالأمن القومي للصحفيين والمحررين في 2004 يأمرونهم بالامتناع عن انتقاد الرئيس أوأفراد أسرته (والكثير منهم يشغلون مناصب حكومية واقتصادية هامة)، والامتناع عنالحديث عن إساءة استخدام المسؤولين للسلطة، ومسألة من سيخلف الرئيس علي عبد اللهصالح.[156]

ومنذ اشتداد الاحتجاجات في جنوب اليمن عام 2009، واجه الصحفيون والمحررونتضييقاً متصاعداً على الكتابة عن الجنوب. وقال صحفيون ومحررون لـ هيومن رايتس ووتشإنهم سيتخطون "الخط الأحمر" إذا نشروا مقابلات مع رجال سياسة جنوبيين فيالمنفى أو قيادات للحراك الجنوبي، أو إذا نشروا صوراً للعنف من قبل الأجهزةالأمنية ضد المتظاهرين، أو حتى ذكروا الأسماء الرسمية للجهات المنظمة للاحتجاجات.

كما تستخدم الحكومة اليمنية أسلوب الرشوة لإسكات منتقديها. فطبقاً لمصدرموثوق، فإن مكتب الرئاسة عرض على رؤساء تحرير الصحف "تمويلاً للدعم"يبلغ آلاف أو حتى عشرات آلاف الدولارات شهرياً، كي تسلك الصحف خطاً حكومياً فيماتنشره. وأوضح رئيس تحرير إحدى الصحف المستقلة لـ هيومن رايتس ووتش أنه رغماستمراره في رفض مثل هذه الرشاوى، فإن المسؤولين في مكتب الرئيس مستمرين فيالاتصال به وتذكيره بالمبالغ النقدية الهائلة "المتراكمة" لصالحه.[157]

إغلاق صحيفة الأيام

صحيفة الأيام – ومقرها عدن – هي أقدم وأشهر الصحف اليومية اليمنية،ويتراوح معدل توزيعها اليومي حول 70 ألف نسخة. كما أنها الصحيفة المستقلة اليمنيةالوحيدة التي لديها مطابعها الخاصة، فجميع الصحف الأخرى تطبع في مطابع الحكومة،مما ييسر تدخل السلطات في النشر والتوزيع.

المشكلات القائمة التي تواجه الأيام تأثرت بحادث في فبراير/شباط 2009،يشمل خلافاً على ممتلكات وليس محتوى الصحيفة، عندما حاول مسؤول شمالي السيطرة علىمقر الأيام في صنعاء.[158] وعندما اشتدت وطأة الاحتجاجات والمصادمات في جنوب اليمنفي أبريل/نيسان 2009، "غطت الأيام الأحداث بشكل موسع، وكانت صور الدماءوالإصابات تعلو غلاف الصحيفة لأيام"، حسبما قال هشام بشراحيل، المدير العامللأيام، لـ هيومن رايتس ووتش.[159] وبدأ الرئيس علي عبد الله صالح في إرسال الوفودإلى الصحيفة، مطالباً إياهم بتخفيف وطأة تغطيتهم. وبدءاً من مطلع أبريل/نيسان،طبقاً لبشراحيل، طلب ياسر اليمني – نائب محافظ لحج ووسيط موثوق للرئيس – طلب منرؤساء التحرير الكف عن استخدام صور المصابين ونزيف الدماء، قائلاً إن الرئيس قلقمن استخدام الصور كأدلة ضده في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.

وفي 9 أبريل/نيسان حسب قول بشراحيل، اتصل الرئيس صالح بمالك صحيفة الأياملحمله على أن ينشر تحت اسمه افتتاحية مؤيدة للحكومة عن الوضع في الجنوب. وفيالمقابل، وعد بأن قضية فبراير/شباط 2008 في صنعاء ضد مُلاك الأيام سيتم إسقاطها.والتزم هشام بشراحيل وطبع الافتتاحية المُرسلة إليه بالفاكس من مكتب الرئيس، لكنالصحيفة استمرت في التغطية الانتقادية للاحتجاجات والرد الحكومي العنيف. ثم تلقىالعاملون بالصحيفة تهديدات شخصية، وقال هشام بشراحيل: عثر مُصمم بالصحيفة على ورقةعلى بابه عليها تهديد بـ "قطع رقبته" إذا استمر في العمل بالأيام.

وفي 1 مايو/أيار، أوقف مسلحون شاحنة توصيل أعداد الأيام في منطقة ملح فيلحج (انظر أعلاه). وطبقاً لبشراحيل، فإن المهاجمين ينتمون إلى لجنة حماية الوحدةالمؤيدة للحكومة المُشكلة حديثاً.

وليلة 2 مايو/أيار، صادر الجنود في نقطتي تفتيش عسكريتين بالقرب من عدن أكثرمن 50 ألف نسخة من الأيام، أي كامل النسخ المخصصة للتوزيع في اليمن خارج عدن.ووقعت الشرطة والاستخبارات ووزارة الإعلام على إيصال استلام بنسخ الأيامالمُصادرة. وبحلول 4 مايو/أيار حاصرت قوات الأمن مقر الأيام في عدن وفتشت جميعالسيارات الخارجة من المقر، لمنع توزيع 70 ألف عدد هي إجمالي النسخ المطبوعة ذلكاليوم.[160] وعلى ضوء حصار مقر الصحيفة، قرر المُلاك في 4 مايو/أيار التوقف عنالنشر، وكانت صحيفة اليمن المستقلة الأكبر ما زالت غير قادرة على النشر وقت زيارةهيومن رايتس ووتش بعد أكثر من شهرين، في 12 يوليو/تموز 2009.

وإثر الإغلاق الجبري للأيام في 4 مايو/أيار، بدأت السلطات في إحياء النقاشحول قضية الملكية المتنازع عليها المُثارة في فبراير/شباط 2008، وتعتقد عائلةبشراحيل أن من أحيوا الجدل من جديد هم من بين القوة التي أطلقت النار على مجمعالأسرة في صنعاء وبدرت محاولات لاستدعاء أفراد من الأسرة للشهادة في المحكمة (ترفضالأسرة حضور الجلسات بالمحاكم خشية على سلامتهم). وعلى خلفية تنفيذ أوامرالاستدعاء، شنت قوات الأمن في 12 مايو/أيار هجوماً على مقر الأيام في عدن، وانخرطتفي تبادل لإطلاق النار استمر لمدة ساعة مع حُرّاس المقر، مما أسفر عن مقتل شخصوإلحاق إصابات خطيرة بآخر، لكن قوات الأمن لم تتمكن من إحكام السيطرة على المقر.ومنذ تبادل إطلاق النار وأفراد عائلة بشراحيل يلجأون إلى مقر الصحيفة، ولا يمكنهمالخروج منه خوفاً من الاعتقال أو ما هو أسوأ. وقد زار وزراء حكوميون الأسرة التماساًللتوسط لإنهاء المواجهة، دون نتائج ملموسة حتى الآن.

إغلاق الصحف: مايو/أيار – يونيو/حزيران 2009

أعلن وزير الإعلام اليمني، حسن أحمد اللوزي، في 4 مايو/أيار، عن حظر علىتوزيع وتداول ثماني صحف هي أبرز الصحف اليمنية اليومية والأسبوعية المستقلة، وشملالحظر الذي بدأ على الأيام بالفعل صُحف خاصة هي المصدر والوطني والديار والمستقلةوالنداء والشارع والأهالي.[161] وفي 6 مايو/أيار أعلن الوزير أن الصحف انتهكتقانون الصحافة والمطبوعات اليمني فيما يخص "الوحدة والمصلحة العلياللبلاد" واتهم الصحف بـ "التحريض على انتهاك القوانين والنظام، وبثالكراهية والعداوة بين شعب اليمن الواحد".[162] وطبقاً لرؤساء تحرير الصحفالمتأثرة بالقرار، فلم تكن هذه هي المرة الأولى منذ توحيد اليمن عام 1990 التيتُفرض فيها مثل هذه الإجراءات التقييدية على الصحف المستقلة.

وأيد الرئيس صالح الحظر المفروض على الصحف اليمنية المستقلة في كلمتهبتاريخ 6 مايو/أيار أمام البرلمان:

 

إذا كان هناك مجال للحديث في الصحافة فيجب أن يكون عن الخير والحبوالأخوة. إذا وقعت أخطاء على مسار التنمية أو الأمن أو القضاء، فلن يُواجه انتقادهذه الأخطاء بالاعتراض، فهناك مساحة لهذا. لكن الوحدة والحرية والديمقراطيةوالثورة والجمهورية والدستور ثوابت وطنية لا يمكنها تخطيها.[163]

وطبقاً لرؤساء التحرير المتأثرين، فإن قرار إغلاق الصحف تم اتخاذه بعدنشرهم لمقابلات مع قيادات الحراك الجنوبي وتفصيل الصحف الدقيق في بعض الأحيانبالموضوعات الصحفية والصور الفوتوغرافية العنف الذي تنتهجه قوات الأمن فيالاحتجاجات.[164]

وفي 18 مايو/أيار، استدعت نيابة الصحافة والمطبوعات سامي غالب، رئيس تحريرصحيفة النداء، وثلاثة من زملائه لإخطارهم بأن وزارة الإعلام نسبت إليهم اتهامات هي"التحريض على العصيان المسلح، والتحريض ضد الوحدة، وبث روحالطائفية".[165] وطبقاً للجنة حماية الصحفيين، وهي منظمة مراقبة دولية، فإنالتحقيقات امتدت أيضاً لتشمل رؤساء تحرير وصحفيي الشارع والمصدر والدياروالوطني.[166]

وفي 11 مايو/أيار، أعلن مجلس القضاء العالي، أعلى سلطة قضائية في اليمن،عن إنشاء محكمة الصحافة المتخصصة لمحاكمة الصحفيين، وهو تطور يبدو أنه يعكس إنشاءمحكمة جزائية متخصصة حاكمت قيادة الحراك الجنوبي (انظر أدناه). ويخشى الصحفيون أنإنشاء محكمة متخصصة للصحافة قد يؤدي إلى المزيد من الاضطهاد للصحفيين، ويرون أنإنشاء أية محكمة متخصصة يخرق الدستور اليمني.

وفي 11 يوليو/تموز، عقدت محكمة الصحافة المتخصصة أولى جلساتها، ونظرت فيهافي اتهامات سابقة (ديسمبر/كانون الأول 2006) ضد رئيس التحرير سامي غالب، عن نشرصحيفته لتحقيق عن الفساد في وزارة الأوقاف. ووجهت الوزارة اتهام "السبوالتشهير" لغالب، الذي طالب محاموه بتوضيح للسند القانوني لهذه الاتهامات فيالجلسة الأولى.[167] وفي 2 أغسطس/آب، قضت محكمة الصحافة المتخصصة بإغلاق القضية،لأن تغطية الصحيفة لم تشمل مواد تشهيرية أو تنطوي على الذم أو القذف ومن ثم فمانشرته يدخل في نطاق ما يُسمح قانوناً بنشره في اليمن.[168]

ورفع وزير الإعلام التجميد عن بعض الصحف في أواخر يونيو/حزيران، لكنهاستمر في حظر نشر الأيام والوطني. وتناقلت التقارير إصداره تعليمات تقييدية علىرؤساء تحرير وصحفيي الصحف المسموح لها بالعودة للنشر، من جديد، بالامتناع عن تغطيةاحتجاجات الجنوب وحملة الحكومة القمعية، وأية مقابلات مع قيادات الحراكالجنوبي.[169] إلا أن عندما حاولت الصحف الطبع، رفضت مطبعة صحيفة الثورة التيتملكها الدولة أن تطبع لها، وقالت بأن لديها توجيهات من وزارة الإعلام بهذا. وعلقسامي غالب رئيس تحرير صحيفة النداء، أحد رؤساء التحرير المتأثرين بالقرار قائلاً:"هكذا يلاعبونك".[170]

بعض الصحف لجأت إلى مطابع صغيرة مملوكة لأفراد أعلى تكلفة، لكن عملها مازال مقيداً وعليه رقابة مشددة. وأخيراً سُمح لصحيفة الوطني بنشر عدد في أواسطيوليو/تموز، لكن قوات الأمن صادرت جميع الأعداد المُرسلة إلى عدن.[171] وفي 4أغسطس/آب، صادرت السلطات نسخاً من صحيفة الديار من باعة الصحف في صنعاء بسببموضوعات منشورة في العدد على صلة باحتجاجات الجنوب.[172] وفي 10 أغسطس/آب، أمرتوزارة الإعلام بمصادرة جميع نسخ العدد رقم 105 من صحيفة الأهالي، من مطبعة صحيفةالثورة، حيث كان يتم طبع الأهالي، بسبب تغطية العدد لاحتجاجات الجنوب.[173]

اعتقال الصحفيين

من الانتهاكات الجسيمة الأخرى المتفشية الاعتقال التعسفي للصحفيين ورؤساءالتحرير. غائض نصر علي، مراسل ردفان لصحيفتي الشارع والثوري، قال لـ هيومن رايتسووتش إنه تعرض عدة مرات للضرب على يد قوات الأمن، وكذلك التهديدات والاحتجاز جراءنشاطه كصحفي. في 21 أبريل/نيسان 2008، اعتقله الأمن المركزي لتغطيته مظاهرة فيمعهد المعلمين بردفان، وتم احتجازه عدة أيام. وأثناء الاحتجاز، طلبوا منه توقيعتعهد بعدم كتابة أي شيء عن الاحتجاجات.[174] وفي 13 مايو/أيار 2008 احتجزه الأمنالمركزي وتعرض للضرب المبرح بعد أن صور مظاهرة في ردفان. وقال علي لـ هيومن رايتسووتش:

كنت ألتقط صوراً فوتوغرافية للاحتجاج. ضربوني تلك المرة، ثمانية أشخاص منالأمن العام، ومنهم مدير الأمن العام في ردفان، الذي أمرهم بضربي والقبض عليّ، أناوبعض القيادات الطلابية. وضربونا بالهراوات وكعوب البنادق، وفيما كانوا ينقلوناإلى السجن العام استمروا في ضربنا في السيارات.

واحتجزت السلطات غائض نصر علي في السجن العام حتى 22 مايو/أيار، وفيه وُجهإليه الاتهام بـ "المساس بوحدة جمهورية اليمن" وتم الإفراج عنه بكفالةحتى محاكمته. وفي 18 يوليو/تموز أدانته محكمة برفقة 22 آخرين وحُكم عليه بالحبسستة أشهر مع إيقاف التنفيذ، شريطة ألا يشاركوا في احتجاجات أخرى. ومن جديد اعتقلتالسلطات غائض نصر علي في 13 يناير/كانون الثاني 2009، إبان تغطيته لاحتجاج في عدن،وتحفظت عليه خمسة أيام في سجن عدن قبل الإفراج عنه، بعد أن تعهد بعدم المشاركة فيالاحتجاجات.

وفي 2 يناير/كانون الثاني 2009، احتجز الأمن السياسي وجدي الشعبي، مراسلالأيام والوطني ومُكلا برس، في المستشفى الجمهوري بعدن، حيث كان يحقق في موضوع عنعدم كفاية الرعاية الطبية في المستشفى. واحتجزه مسؤولو الأمن السياسي واستجوبوهلعدة ساعات.[175]

وبعد نشر موضوعه عن عدم كفاية الرعاية الطبية في المستشفى بصحيفة الوطنيومُكلا برس في 5 يناير/كانون الثاني، أمر مدير أمن محافظة عدن بالقبض عليه مرةأخرى. وحدث هذا في 13 يناير/كانون الثاني، فيما كان يغطي مظاهرات في عدن. ونقلتهالشرطة إلى مركز شرطة البساتين، وتحققوه من هويته، ثم قال له أحد الضباط:"أنت مطلوب، وتم توزيع تنبيه بشأنك على كافة مراكز الشرطة بناء على أمر منمدير الأمن". وألقوا بشعبي في زنزانة برفقة مجرمين مشتبهين بالإتجار في المخدراتوقراصنة صوماليين، حيث أمضى عشرة أيام، ثم نقلوه إلى السجن المركزي في لحج، حيثأمضى أسبوعاً إضافياً، دون حتى نسب اتهام إليه أو التحقيق معه. وأخيراً تلقى وكيلالنيابة صحيفة اتهام من عدن، تتهم الشعبي بـ "قتل جنود"، لكن الشعبي قاللـ هيومن رايتس ووتش إن وكيل النيابة "كان يعرف أنها اتهامات مزيفة"،و"أطلق سراحي دون أي شروط".[176]

وقال الشعبي لـ هيومن رايتس ووتش أيضاً إنه أوقف دراسته الجامعية رغم أنهطالب في السنة الأخيرة بالصحافة والإعلام، وقريب من نيل درجته الجامعية.

لم أعد قادراً على الاستمرار في الدراسة، لأنني إذا دخلت كليتي، فسوفيعتقلني الأمن السياسي لأنني مستمر في الكتابة بالصحافة. ضابط جنوبي من الأمنالسياسي [متعاطف معي] حذرني أن هذا سيحدث. وكنت قد أوشكت على نيل درجتيالجامعية.[177]

الهجمات على قناة الجزيرة

قناة الجزيرة الفضائية القطرية هي واحدة من منافذ إخبارية دولية قليلةتعمل من خلال مكتب دائم في اليمن، ومقره صنعاء. وعكفت الشبكة على التغطية الموسعةلاحتجاجات الحراك الجنوبي وتكرر استفزازها لغضب السلطات اليمنية.

في مناسبتين على الأقل منع ضباط الأمن صحفيي الجزيرة من مغادرة فنادقهم،لمنعهم من تصوير الاحتجاجات في مدن الجنوب. في 21 مايو/أيار 2009، حدد مسؤولوالأمن إقامة مدير مكتب الجزيرة، مراد هاشم في حجرته بالفندق في عدن، فيما كانتالاحتجاجات قائمة بالخارج.[178] وفي 7 يوليو/تموز، حددت قوات الأمن مجدداً إقامةهاشم وفريق العمل الذي كان يلازمه في فندقهم بعدن.[179]

كما تعرض صحفيو الجزيرة لاعتداءات بدنية. ففي 22 يونيو/حزيران، هاجممقنعون مراسل الجزيرة في عدن، فاضل مبارك، فيما كان يصور احتجاجاً في جعر، بمحافظةأبين. وأصيب مبارك واحتاج لغرز جراحية لعلاج إصاباته. وفي 17 يونيو/حزيران قاممجهولون برجم عربة للجزيرة في طريقها لتصوير مظاهرة مؤيدة للحكومة في الضالع، مماأضر بالعربة. وفي الهجمتين، ظل المهاجمون مجهولون. ولم يتعرض العاملون بالمنافذالإعلامية المؤيدة للحكومة مثل هذه الهجمات.[180]

وفي 12 يوليو/تموز طالب نائب برلماني من حزب المؤتمر الشعبي الحاكم، هوعلي مسعد اللهبي بإغلاق مكتب الجزيرة، قائلاً إن الجزيرة "تعادي اليمن ووحدتهوأمنه واستقراره" وأنها تبث "ما يُملى عليها من القوى المعادية... خاصةالانفصاليين الذين يستهدفون [الإضرار بـ] صورة اليمن في الخارج".[181] ومنعمسؤولون حكوميون الجزيرة من تغطية فعاليات الحكومة، في انتقام ظاهر من تغطيتهاالانتقادية لاحتجاجات الجنوب وحرب صعدة في الشمال، ففي 27 يوليو/تموز، كان مراسلالجزيرة هو الصحفي الوحيد المحروم من دخول جلسة أسئلة وأجوبة في البرلمان اليمنيبشأن الدفاع والأمن القومي، وقد طرد المسؤولون فريق الجزيرة من مؤتمر في عدن لمسؤولينمحليين مع نائب رئيس الوزراء في يوليو/تموز.[182]

وفي 26 يوليو/تموز، تلقى مكتب الجزيرة في صنعاء مكالمة من رقم من المملكةالعربية السعودية. وقال المُتصل للمنسق الذي أجاب على الهاتف: "قل لرئيسالمكتب إن موته قريب. بربي لسوف نصل إليه حتى لو كان في بيته".[183] وفي 11أبريل/نيسان تلقى مدير مكتب الجزيرة مراد هاشم ومراسل الجزيرة أحمد الشلفي تهديداتمماثلة على هواتفهما النقالة، من رقم سعودي، يطالبهما بوقف أي تغطية لأحداث جنوباليمن.[184] وقال مراد هاشم للجنة حماية الصحفيين:

 

هناك حملة تحريض موسعة ضدنا من الإعلام المقرب من الحزب الحاكم...فالمسؤولون يحرضون علناً الجماهير ضدنا. الصحف الحزبية قالت إن الجهاد ضد الجزيرةوصحفييها هو واجب ديني. ووقعت اعتداءات على طواقم العمل لدينا، [و] مُنعنا من أداءعملنا عدة مرات، وتلقينا رسائل ومكالمات تهديد.[185]

احتجاز بعض المدونين وحجب المواقع الإلكترونية

في اليمن حضور قوي للمدونين والمدونات، وبسبب القيود المشددة على الصحافةالمطبوعة والقنوات التلفزيونية المستقلة، فإن بعض التغطيات الأكثر تفصيلاً – وإنكانت حزبية وسياسية – لأحداث الجنوب واردة في المدونات، والتي تنشر أيضاً مقابلاتمع قيادات الحراك الجنوبي. وبالنتيجة، فإن المدونين في نطاق مراقبة الأجهزةالأمنية، فأغلب المدونات التي تغطي أحداث جنوب اليمن حجبتها شركات توفير خدمةالإنترنت التي تسيطر عليها الحكومة، وقام مسؤولو الأمن السياسي باحتجاز بعض محرريالمدونات وعدداً من المدونين المعروفين.

ففي 18 يونيو/حزيران 2009، ذهبت قوات الأمن المسلحة إلى منزل صلاحالسقلدي، محرر موقعAdenGulf.Net ،وهو موقع شهير يُركز على أخبار جنوب اليمن ويوفر تغطيات شاملة لاحتجاجات الجنوب.واحتجز الأمن السقلدي وصادر حاسوبه وأوراقه الخاصة.[186] وما زال حتى الآن رهنالاحتجاز.

وأثناء تواجد هيومن رايتس ووتش في اليمن، كان هو آخر من تم اعتقالهملأسباب شبيهة. ففي 12 مايو/أيار 2009، داهمت قوات الأمن منزل يحيى بامحفوظ، المدونمن المُكلا والمدير السابق لموقع حضرموت نيوز الإخباري الذي يغطي احتجاجات الجنوبوينشر بيانات قيادات الحراك الجنوبي. واحتجز الأمن بامحفوظ وصادروا حاسوبهومتعلقات شخصية أخرى.[187] وحتى كتابة هذه السطور، ما زال حسب التقارير رهن احتجازالأمن السياسي بعد نقله إلى صنعاء.[188]

وفي 4 مايو/أيار 2009، داهمت قوات الأمن المسلحة منزل فؤاد عاشور، رئيستحرير موقع مكلا برس الإخباري، واعتقلته. وبعد احتجازه بمعزل عن العالم الخارجيلسبعة أسابيع، نقلته السلطات إلى الأمن السياسي في عدن، وما زال محتجزاً هناك حتىكتابة هذه السطور.

أغلب المواقع التي تغطي جنوب اليمن وفيها تعليقات على الحراك الجنوبيتعرضت للحجب لشهور، وفي بعض الحالات لسنوات. ومن بين المواقع التي تتناقل التقاريرعدم إمكانية فتحها من اليمن بسبب رقابة الحكومة، هي مواقع صوت الجنوب، وشام شامنيوز، وشبكة الخليف عدن، ومنتديات الضالع، وصحيفة الأيام، والمكلا برس بل وحتىمدونةArmiesofliberation.com لجانا نوفاك، التي تعرض موضوعات إخبارية انتقادية عناليمن.[189]

وإثر الاحتجاجات المميتة في يناير/كانون الثاني 2008، حجبت السلطاتاليمنية أيضاً بعض المواقع، والظاهر أن هذا تم بعد إذاعة تسجيل فيديو لإطلاق قواتالأمن النار "بلا استفزاز على حشد [من المتظاهرين]"، طبقاً للجنة حمايةالصحفيين.[190] والمواقع المحجوبة في يناير/كانون الثاني 2009 تشمل موقعYemenPortal وYemenHurr ، وHour’s News ، وحضرموت، والطيف، واليمن، وعدن برس، وصوت الجنوب.[191] ويزعم أنالحكومة اليمنية منعت في اليمن القدرة على فتح صفحات تسجيلات الفيديو الخاصة بالاحتجاجاتالتي يتم تحميلها على موقع يو تيوب، ومواقع أخرى فيها تغطية بالفيديو لاحتجاجاتالجنوب، بأن أضافت تلك المقاطع إلى قائمة "المقاطع الجنسية" في برامجالفلترة التي تستخدمها.[192]

احتجاز السعودية وتسليمها لمدونين يمنيين

السعودية، جارة اليمن الثرية إلى الشمال، تستضيف عدداً كبيراً مناليمنيين، ومنهم الكثير من جنوب اليمن، ومنهم منفيين سياسيين ومواطنين عاديينخرجوا يلتمسون فرصاً اقتصادية أفضل في السعودية.[193] وهناك مساهمون يمنيون فيمواقع إخبارية تغطي اليمن، وكذلك مدونات وغيرها من المنتديات الإخبارية الطابع علىالإنترنت التي تُدار من السعودية، وهم انتقاديون للغاية للسلطات اليمنية. المباحثالسعودية دأبت على مدار العام الماضي على التعاون مع نظيرتها اليمنية في احتجازالمدونين اليمنيين وتسليمهم إلى اليمن.

في إحدى هذه الحالات، في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2008، احتجز مسؤولوالمباحث السعودية علي شايف، المدون الذي كان يكتب على موقع بوابة الضالع، من شقتهفي جدة. وعلى مدار الشهور الثمانية التالية، ظل شايف رهن الاحتجاز السعودي، دونالسماح له بمكالمات هاتفية أو استقبال زوار. أسرته في اليمن قالت إنها لم تعرفشيئاً عن مصيره بخلاف اعتقاله، الذي عرفوه من زملاء السكن مع شايف.[194] وفيمايو/أيار أو يونيو/حزيران 2009، نقلت السلطات السعودية شايف إلى اليمن دون أيةمراعاة لإجراءات التقاضي السليمة. وما زال محتجزاً طرف الأمن السياسي في صنعاء.وفي مطلع يوليو/تموز 2009 سمح الأمن السياسي لأسرته بزيارته، ومنذ ذلك الحين يُسمحله باستقبال مكالمات هاتفية مرة في الأسبوع من ذويه، لكن حتى كتابة هذه السطور مازال رهن الاحتجاز دون نسب اتهامات إليه أو محاكمته.[195]

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2008 احتجزت المباحث السعودية مدوناً آخر على موقعبوابة الضالع، هو فهمي علي نصر، في جدة، ونقلته إلى اليمن رهن احتجاز الأمنالسياسي، الذي أفرج عنه بعد ذلك.[196] وتناقلت التقارير اعتقال الأمن السعوديمدوناً ثالثاً في بوابة الضالع، هو محمد الربيعي، في جدة، قبل شهور من الآن. ويبدوأنه ما زال رهن احتجاز الأمن السعودي.[197

[151] جمهورية اليمن، قانون رقم 25 (1990)، بشأن الصحافة والمطبوعات، 22ديسمبر/كانون الأول 1990، مواد 3 إلى 6.

[153] قانون رقم 25 (1990)، بشأن حرية الصحافة والمطبوعات، 26 ديسمبر/كانونالأول 1990، مادة 103 (2) إلى (4) تحظر نشر "ما يمس المصلحة العليا للبلاد منوثائق ومعلومات سرية أو إفشاء أسرار الأمن والدفاع عن الوطن وفقاً للقانون [و] مايؤدي إلى إثارة النعرات القبلية أو الطائفية أو العنصرية أو المناطقية أو السلاليةوبث روح الشقاق والتفرقة بين أفراد المجتمع [و] ما يؤدي إلى ترويج الأفكارالمعادية لأهداف ومبادئ الثورة اليمنية أو المساس بالوحدة الوطنية أو تشويه التراثوالحضارة اليمنية والعربية والاسلامية".

[154]. في يوليو/تموز 2008، حكمت المحكمة الجزائية المتخصصة على عبدالكريم الخيواني، الصحفي البارز، بالسجن ستة أعوام جراء كتاباته الانتقادية في عام2007 بشأن الحرب في الشمال بين المتمردين الحوثيين والقوات الحكومية. حتى فريقدفاع الخيواني لم يتمكن من أن يشرح لـ هيومن رايتس ووتش على وجه التحديد الاتهاماتبحق الخيواني. الرئيس صالح عفى عن الخيواني في 25 سبتمبر/أيلول 2008 وأمر بالإفراجعنه.

[158] طبقاً لأسرة بشراحيل، مُلاك الصحيفة، ففي 12 فبراير/شباط 2008، حاولتمجموعة من المسلحين رش لوحة تعلن ملكية مجمع الأيام في صنعاء لأصحابها بالطلاء،والمجمع يستضيف أيضاً بعض أفراد الأسرة المالكة للصحيفة، وقال المسلحون:"المنزل ملك للشيخ أحمد الحبري". طبقاً لأسرة بشراحيل، فإن الشيخ الحبريمعروف باستيلائه على الممتلكات باستخدام صلاته بالرئيس في مصادرة الممتلكات بشكلغير قانوني. وقد نشب تراشق بالأسلحة النارية بين مجموعة المسلحين وحراس المكان،مما خلف أربعة من المسلحين مصابين، ومات أحدهم. وإثر تبادل إطلاق النار تم احتجازأحد حراس الأيام – "عمير العبادي" – من قبل قوات الأمن وأحاطت قواتالأمن بالمكان، وطالبوا أسرة بشراحيل بتسليم أحد أفراد الأسرة كرهينة إلى أن تتمالوساطة القبلية مع أسرة القتيل. وما زالت مشكلة هجوم 12 فبراير/شباط على الأياممستمرة، فأسرة القتيل هددت بالثأر لمقتله، ورغم أن الرئيس على عبد الله صالح تكرروعده بالتدخل المباشر في القضية، فإنه لم يفعل هذا حتى الآن. بدلاً من هذا استمرتالسلطات في استخدام القضية المفتوحة ضد مُلاك الأيام في الضغط عليهم للتخفيف منوطأة تغطيتهم لأزمة الجنوب. مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مُلاك صحيفة الأيام، عدن،12 يوليو/تموز 2009.

تمت الزيارة في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2009). وقرار خطي من وزارة الإعلاميأمر بمصادرة جميع النسخ المطبوعة من خمس صحف، هي المصدر والوطني والديار والنداءوالشارع، بتوقيع من مدير عام الصحافة، بتاريخ يبدو أنه 4 مايو/أيار 2009. توجدنسخة لدى هيومن رايتس ووتش... وحاجج صحفي من نقابة الصحفيين بأن الوزارة ليس لديهاصلاحية تجميد نشر الصحف، رغم أن بإمكانها مصادرة عدد معين ينتهك قانونالصحافةوالمطبوعات، بعد المراجعة القضائية والطعن. واعتبر أن القانون لا ينص إلاعلى تجميد الصحف في حالة انتهاك شروط الترخيص، مثل عندما تنشر صحيفة أسبوعية بشكليومي. ولا توجد مثل هذه الصلاحيات الإدارية على المحتوى المنشورلأي مطبوعة تلتزمبشروط ومواصفات ترخيصها.

VIII . احتجاز بعض الأكاديميين وغيرهم من قادة الرأي

كانت جامعات جنوب اليمن من المراكز التي خرج منها عناصر من الحراكالجنوبي. فالطلاب من بين الناشطين والمُنظمين، وبعض الأكاديميين الجنوبيين قاموابدورهم بالكتابة والمحاضرة عن القضايا التاريخية والاقتصادية الكامنة في صميممظالم الحراك.

وقال أكاديميون وطلاب جنوبيون لـ هيومن رايتس ووتش إن الحياة الأكاديمية –التي لم تكن أبداً حرة تحت الحُكم الماركسي – تخضع حالياً لرقابة الشماليينوالتضييق الشديد سياسي الدوافع. وقال أحد الأساتذة الجامعيين أن من بينالأكاديميين في جامعة عدن – ولها فروع في مختلف مدن الجنوب – فإن العميد الوحيدالباقي من أصول جنوبية هو عميد كلية التعليم في يافع. وجميع العمداء الآخرين منالشمال، وكذلك الإدارة العليا للجامعة، على حد قوله.[198]

ونتيجة للحضور الكثيف لعناصر الجيش اليمني الشمالية في المناطق الجنوبية،فإن الشماليين، لا سيما العسكريين في البرامج الدراسية، يُشكلون جزءاً يعتد به منالطلاب. وأحد الأكاديميين يُقدر أن 30 في المائة على الأقل من هؤلاء، على حد قوله،يحصلون على منح دراسية ومناصب في الجامعة.[199] ومن ثم يشعر الكثير من الطلابوالأساتذة في الجامعة بالإجحاف مهنياً وأكاديمياً.[200]

وقامت إدارات الجامعات اليمنية بتضييق الحريات الأكاديمية وحرية التعبيرفي الجامعات والمعاهد ومؤسسات التعليم العالي الأخرى في شتى أنحاء الجنوب. وتعرضالأساتذة والطلاب الذين شاركوا في الحراك الجنوبي للاعتقالات والتهديداتوالإجراءات التأديبية والطرد.

وتنشط مختلف الجهات الأمنية في الحرم الجامعي، وتراقب المنشقين مراقبةلصيقة. وللأمن السياسي حضور جامعي خاص، من أعمال مراقبة واحتجاز واستجواب لأي طالبأو أستاذ يشارك في الاحتجاجات. وقال أكاديميون لـ هيومن رايتس ووتش إن الهيئاتالأمنية لها مجموعة منظمة من المخبرين، إذ تُكلف طلاب معينين في قاعات الدرسبإمداد الهيئات الأمنية بالملاحظات المدونة من المحاضرات.[201]

الطلاب الذين يشاركون في الاحتجاجات يتعرضون للتبعات من قوات الأمن ومنالسلطات الأكاديمية. محمد عبد الله مثنى، الطالب بالصف الخامس بكلية الهندسة، قاللـ هيومن رايتس ووتش كيف احتجزه الأمن المركزي مع 30 إلى 35 طالباً آخرين، من الرجالوالنساء، في الحرم الجامعي لجامعة عدن أثناء احتجاج 10 مايو/أيار 2009، المنعقدللمطالبة بالإفراج عن الناشطين المحتجزين. وتم احتجازه لمدة يومين، ثم أُمر بكتابةتعهد بعدم المشاركة في الاحتجاجات في المستقبل، قبل إخلاء سبيله. وإثر الإفراج عنالطلاب، هددت الجامعة بطرد 15 طالبة خضعن للاحتجاز. كما تعرض محمد للتهديد منمساعد مدرس (والطالب بالدكتوراه من شمال اليمن)، إذ قال له الأخير إنه إذا استمرفي المشاركة بالاحتجاجات، فمن المؤكد أنه سيرسب ويُجبر على إعادة السنة.[202]

احتجاز حسين عاقل

من بين الأكاديميين المحتجزين حالياً الأستاذ الجامعي حسين عاقل ، الذي يقوم بتدريس الجغرافيا الاقتصاديةبجامعة عدن. ففي أبريل/نيسان 2009 كتب الأستاذ عاقل مقالاً في صحيفة الوطني بعنوان "مبادرةالتجمع الأكاديمية حول توحيد هيئات الحراك الجنوبي"، بتوقيع من 14 أكاديمياً(تم إنكار بعض التوقيعات فيما بعد).[203]

وإثر نشر المبادرة، استدعى رئيس جامعة عدن، د. عبد العزيز الحبتور، بعضالأساتذة الأربعة عشرة (تسعة منهم من جامعة عدن)، وطالبهم بإصدار اعتذار، وهددهمبفقدان رواتبهم وتجميد عملهم بالجامعة، ومنع الترقيات عنهم.[204] ثم تناقلت التقاريرعقد د. الحبتور لمجلس الجامعة، الذي أصدر قراراً بتجميد الموقعين لمدة ستة أشهر عنالعمل في الجامعة، ومنع أية ترقيات لهم، رغم عدم تنفيذ هذا القرار حتى الآن.[205]

كما ألقى د. عاقل محاضرات، وكتبعن الفساد والمحسوبية، في منح الأراضي وعقود استكشاف حقول النفط في الجنوب، وهيقضية حساسة؛ لأنها تؤدي عادة إلى اتهامات بحق الرئيس وعائلته. وكتب سلسلة مقالاتعن النفط في صحيفة الوطني، وناقش فيها كيف أن عائلة الرئيس وقبيلته أخذوا أراضيللدولة حول حقول شبوة النفطية لصالح استكشاف الشركات الخاصة لحقول النفط، ذاكراًأكثر من مائة عضو من عائلة الرئيس.[206] كما حاضر طلابه في الجامعة عن الفسادالمتعلق بالنفط، ووضع في اختباراته سؤالاً للطلبة عن هذه القضية.[207]

 

وبدءاً من مطلع مايو/أيار، سعت قوات الأمن إلى القبض على الأستاذعاقل ، فوضعت نقاط تفتيش بالقرب من بيته.وقال أحد أقاربه إنهم عندما لم يتمكنوا من معرفة مكانه، اعتقلوا ابنه البالغ منالعمر 13 عاماً، صدام حسين عاقل، لمدة أسبوعين، بدلاً منه كرهينة. وظل رهنالاحتجاز مدة أسبوعين في مركز شرطة طوبان، مع محتجزين آخرين في نفس عمرهتقريباً.[208] وفي 7 يونيو/حزيران تم احتجاز عاقل من حرم جامعة عدن. ونُقل بعد ذلك إلى الاحتجازطرف الأمن السياسي في صنعاء. وبدأت محاكمته في 10 أكتوبر/تشرين الأول بتهمة"التحريض على الفتنة وثقافة الكراهية في المجتمع" و"نشر مقالات تمسوحدة اليمن". [209]

تحديد إقامة صالح يحيى سعيد في منزله

تناقلت التقارير حضور صالح يحيى سعيد – أستاذ علم الاجتماع بجامعة عدنوأحد الموقعين على "مبادرة الأكاديميين" المنشورة في صحيفة الوطني –لاجتماع الضالع 12 يونيو/حزيران للقيادات الحراك الجنوبي. وتم الإعلان في بيان بعدالاجتماع عن تعيينه نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة.[210]

وفي مطلع يوليو/تموز، حاصرت قوات الأمن منزل الأستاذ سعيد في عدن، ووضعتهفعلياً قيد الاعتقال المنزلي. وفي 10 يوليو/تموز احتجزت قوات الأمن ابن الأستاذسعيد البالغ من العمر 25 عاماً إثر صلاة الجمعة في مسجد عدن، وقالت له إنه محتجزكرهينة إلى أن يسلم أبوه نفسه للشرطة.[211] وتم الإفراج عن الابن بعد 24 ساعة،وقالت له قوات الأمن إنها ستحتجز أبيه ما إن يخرج من بيته.[212]

وقبل يومين، في 8 يوليو/تموز ذهبت مجموعة من زملاء الأستاذ سعيد لزيارتهإبداءً للتضامن معه. وقال أحد هؤلاء الأساتذة فيما بعد لـ هيومن رايتس ووتش كيفاحتجزتهم الشرطة وعنفتهم إثر الزيارة:

كان هناك نحو عشرين رجلاً يجلسون إلى جوار المنزل. عندما خرجنا منه الساعة6 مساءً، في سيارتين، سجلوا أرقام السيارات لديهم. وفجأة أحاط بنا الأمن.

ذهبت مع أستاذ آخر في سيارتي إلى خور مكسر. توقفنا على مسافة كيلومترين،في جولة عريش. وقالت لنا الشرطة أن نتوقف، وفتحوا الباب، وأخرجنا أربعة رجال شرطةمن السيارة، وفتشوها، وصادروا 8000 ريال [40 دولاراً] مني و10 آلاف ريال [50دولاراً] من زميلي، وهواتفنا النقالة. فتشونا أيضاً. وأخذوا أوراق الهوية ودونواأسمائنا... وبعد ساعة من المكالمات لا أعرف مع من، أعادوا إلينا الهواتف النقالة،لكن ليس النقود، وتركونا نمضي في سبيلنا.[213]

تم توقيف سيارة أخرى يستقلها أساتذة جامعيون كانت في طريقها إلى منطقةالشيخ عثمان في عدن، لدى نقطة تفتيش عبد القوي. تم اصطحاب الرُكاب الثلاثة جميعاًإلى مركز شرطة مندانة، حيث تم استجوابهم لمدة خمس ساعات قبل الإفراج عنهم.[214]أحد الأساتذة المحتجزين روى لـ هيومن رايتس ووتش كيف جادل مع مسؤول الأمن بشأنمعاملتهم، وسأل الضابط: "إذا كنتم ضربتم أكاديميين بهذه الطريقة، فكيفتعاملون الناس العاديين؟" فأجاب الضابط: "أنتم لستم أكاديميون، أنتممخربون لوحدتنا".[215]

اختطاف عبد الخالق مثنى عبد الله

عبد الخالق مثنى عبد الله، 32 عاماً، مُعلم من عدن وناشط سياسي يسهم منالحين للآخر بمقالات لصحيفة الديار وصحف أخرى، وقد كسر تابو مناقشة التهميشالسياسي للجنوب. وتحدث لـ هيومن رايتس ووتش عما يراه "تهميش سياسي وظلمللجنوب، وعدم مساوتنا بالشمال"، مشيراً إلى أنه في رأيه فإن الجنوب لم يحصلعلى نصيبه العادل وإنه من الواجب التأكيد على الحقوق الاقتصادية للجنوب:

توجد الكثير من الموارد في الجنوب، لكننا لا نرى أية مزايا... فالشماليونيأتون ويأخذون مواردنا، ولا نحصل على أي شيء. بالنسبة لنا نحن المثقفين، هذا الوضعغير مقبول.[216]

وفي 12 يوليو/تموز، غادر بيته متجهاً لحضور صلاة الجمعة في مسجد عدن،فاقترب رجل أمن في ثياب مدنية منه وأمسك بيده، وقال إنه يريد التحدث إليه، لكنهدفعه إلى داخل سيارة متوقفة ممتلئة برجال الأمن الذين عصبوا عينيه. وتحركوا به إلىمنزل مجهول يبدو أنه مُستخدم كمركز احتجاز. وأثناء فترة احتجازه واستجوابه، لميُعرِّف أي من الرجال نفسه أو الجهة التي يعمل لصالحها.

ومن السابعة مساءً وحتى الواحدة صباحاً، ظل عبد الله وحده في الحجرة، ثمنقلوه إلى حجرة الاستجواب، وبدأ ضابط ثاني في تدوين الأقوال. وبعد عدة أسئلةأساسية عن اسمه وسنه وعنوانه، بدأ المحقق في توجيه ألفاظ نابية:

سألني عن مركزي في الحراك الجنوبي، وبدأ يسبني، قائلاً إننا يجب أن نحبالوحدة وأشياء من هذا القبيل. ثم سألني إن كنت أحصل على مقابل مادي مقابل كتابةهذه الأشياء، ومن أعرف [من اليمنيين في المنفى] في لندن. وسألني عن كتاباتي، وإذاكنت حقاً أؤمن بـ "الوساخات" التي أكتبها، أو إذا كنت أكتب ما يدفعون"هم" مقابله كي أكتبه. وسألته إذا كان يريد مناقشة هذه الأمور معي، أمأنه لن يزيد عن الصياح في وجهي.

ثم هدد المحقق عبد الله

توقف عن الكلام ثم قال: إذن فأنت فيلسوف! وأمر جندياً بالدخول. فدخلالجندي يحمل قناع رأس تتساقط منه الدماء، وقضيب حديدي. وقال المحقق: أترى؟ هذا ماكان يرتديه شخص حققت معه قبلك، والآن حان دورك! وبدأ في سبي وتهديدي من جديد.

وفي نهاية الاستجواب، ورغم التهديدات، لم يتعرض عبد الله لإيذاء بدني، فيالنهاية هدده المحقق: "قال لي، إذا رأيت أي مقالات أخرى لك فسوف أعيدك إلىهنا وأقتلك. لقد جئنا بك هنا بلا أي مشاكل، ويمكن أن نحضرك متى شئنا، لا مشكل".

وبعد الانتهاء من التحقيق، حوالي الخامسة صباحاً، تم تعصيب عيني عبد اللهمجدداً، وأعيد إلى السيارة، ثم ركلوه إلى الشارع. قال: "أمروني بالنهوض وأنامعصوب العينين وأعادوني إلى نفس السيارة، التي راحت تجوب الشوارع كما حدث عندماجئنا. وفجأة ركلوني في ظهري، ووجدت نفسي اصطدم بالأسفلت، فقد كنت في الشارع".

شكر وتنويه

يستند هذا التقرير إلى بعثة بحثية إلى اليمن استغرقت أسبوعين أثناءيوليو/تموز 2009، وكانت مُشكلة من بيتر بوكارت، مدير قسم الطوارئ في هيومن رايتسووتش، وكريستوف ويلكى، باحث أول في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعمرو خيري،منسق الترجمة العربية والموقع الإلكتروني. قام بيتر بوكارت بكتابة التقرير،بإضافات من كريستوف ويلكى إلى النص. راجع التقرير جو ستورك، نائب المدير التنفيذيلقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقام بالمراجعة القانونية كلايف بالدوين،استشاري قانوني أول. وأندرو ماوسون، نائب مدير قسم البرامج قام بمراجعة التقريربدوره. تشكر هيومن رايتس ووتش الناشطين الحقوقيين اليمنيين والناشطين بالحراكالجنوبي على تعاونهم مع بعثتنا. قدموا متدربون عند هيومن رايتس ووتش رنا رزق ولارا حداد و تينو كاماردا و بصائر علي مساعدات بحثية إضافية. جهز التقرير للنشرناديا برهوم، المنسقة بقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأعده للطباعة كل من غرايسشوي مديرة المطبوعات وفيتزروي هوبكنز مدير البريد. وعاون عمرو خيري في ترجمةالتقرير إلى اللغة العربية وفي إعداده للنشر.

تقرير : فريدرتش هومان رايتس

تعليقات:
1)
العنوان: ملاحظلت على التقرير
الاسم: جنوبي إنفصالي
التقرير ممتاز ومهني ومحايد من حيث تسجيله للحقائق والوقائع، ولكن المعلومات التاريخية والجغرافية الواردة فيه عن منطقة جنوب الجزيرة العربية كانت غير دقيقة أحياناً وغيرة صحيحة أحياناً أخرى، فقد ذكر التقرير في الصفحة (10) تحت العنوان الجانبي الوحدة والانفصال (تشير الروايات التاريخية القرآنية إلى اليمن كوحدة جغرافية واحدة)، وإذا كان الكلام بين القوسين يُراد به الإشارة إلى أن المنطقة الممتدة من صعدة إلى المهرة قد أشار القرآن الكريم إلى أنها كانت وحدة جغرافية واحدة، فهذا الكلام غير صحيح على الإطلاق، وأي مؤرخ خبير وباحث جاد لن يجد آية قرآنية واحدة أو جزء في آية يشير إلى ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر
الأربعاء 21/إبريل-نيسان/2010 10:23 مساءً
2)
العنوان: تكملة ملاحطات على التقرير
الاسم: جنوبي إنفصالي
لقد ذكر القرآن الكريم اليمن (بإسم سبأ) مرتين، مرة في سورة النمل (...وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) 22 ومرة في سورة سبأ (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ...) 15، وذكر القرآن الكريم حضرموت (بإسم الأحقاف) مرة واحدة في سورة الأحقاف (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ ...)، وأرض الأحقاف هي أرض العمالقة قوم عاد ونبيهم هود المدفون في شرق حضرموت ويزور قبره الحضارم وغيرهم في شهر شعبان من كل سنة.. ولو كانت اليمن وحضرموت بلداً واحدا لما سماهما القرآن الكريم بإسمين مختلفين، وكلٌ منهما سورة منفصلة في القرآن الكريم
الخميس 22/إبريل-نيسان/2010 02:11 صباحاً
3)
العنوان: تكملة ملاحطات على التقرير
الاسم: جنوبي إنفصالي
وفي التاريخ المتوسط، بعد ظهور الإسلام، كان الرسول الكريم قد أرسل إلى اليمن الصحابي معاذ بن جبل ليعلم أهلها أمور دينهم ودنياهم، بينما أرسل إلى حضرموت صحابي آخر لا أتذكر إسمه.. وعندما كانت الوفود ترد إلى رسول الله (ص) لإشهار إسلامهم ومبايعته، وصل إليه وفد اليمن الذي قال رسول الله (ص) عنهم (أنهم أرق أفئدة... إلى أن قال الايمان يمان والحكمة يمانية)، ومن حضرموت وصل إلى الرسول الكريم وفد برئاسة وائل بن حجر الكندي الذي إستقبله الرسول مرحباً وفرش له رداءه الشخصي وأجلسه عليه، وعند مغادرته أرسل معه الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان إلى أطراف المدينة لتوديعه... ولوكانت اليمن وحضرموت بلداً واحداً لما أرسل الرسول لكلٍ منهما صحابي يعلمهم أمور دينهم ودنياهم، ولما إستقبل من كلٍ منهما وفدا..
الخميس 22/إبريل-نيسان/2010 06:04 مساءً
4)
العنوان: تكملة ملاحطات على التقرير
الاسم: الحضرمي
معظم المؤرخين والجغرافيين العرب يعرفون المؤرخ والفيلسوف الشهير صاحب المقدمة (أبن خلدون)، إسمه عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن ... بن خلدون الحضرمي (وفي بعض التراجم، التريمي الحضرمي) المولود في الأندلس وأهله من تريم (مدينة مشهورة في حضرموت) ولن تجد في أي ترجمة له أنه يمني..
وفي التاريخ الحديث، أعلنت الجبهة القومية الكفاح المسلح على بريطانيا العظمى المتواجدة في جنوب الجزيرة العربية عام 1963م، وبعد أربع سنوات من الكفاح المرير، إستطاعت الجبهة القومية طرد المستعمر البريطاني في 30 نوفمبر 1967م وإعلان دولة الجنوب التي سماها القوميون الحالمون (جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية) حماساً منهم لتحقيق الوحدة اليمنية ومن ثم الوحدة العربية، وبعد أن تبنى القوميون الإشتراكية العلمية، سموا دولتهم (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية).
الجمعة 23/إبريل-نيسان/2010 04:52 مساءً
5)
العنوان: تكملة ملاحطات على التقرير
الاسم: جنوبي إنفصالي
وإني أعتبر إدخال كلمة اليمن في تسمية الدولة كان خطأً تاريخياً جسيماً إرتكبه القوميون في حق سكان الجنوب العربي، وخاصةً الحضارم، حيث مساحة حضرموت فقط، كانت تشكل ثلثي مساحة تلك الدولة، و الحضارم كانوا يشكلون ثلثي سكانها، وقد أثبتنا آنفاً أن حضرموت لم تكن جزءً من اليمن، وأما الثلث الباقي من الدولة الجنوبية فلم يكن هو الآخر متوحد مع اليمن لمئات السنين، بل كان سلطنات وإمارات و مشيخات مستقلة عن كلٍ من اليمن وحضرموت لحقبة طويلة من التاريخ، ولكن الشعب في ذلك الثلث كان أقرب إلى حضرموت منه إلى اليمن، حيث كان سلطان حضرموت (القعيطي) أصله يافعي من أبين، وآل الحضرمي هم عائلة يافعية مشهورة في أبين وحضرموت..
الأحد 25/إبريل-نيسان/2010 09:38 مساءً
6)
العنوان: تكملة ملاحطات على التقرير
الاسم: جنوبي إنفصالي
وكان الشعب في حضرموت وعدن وشبوة ولحج وأبين والمهرة ينادون من يأتي إليهم من صنعاء أو تعز(يا يمني)، بينما ينادون بعضهم البعض بأسمائهم.. كان الأولى بالقوميين، لو كانوا منصفين، أن يسموا دولة الجنوب (جمهورية حضرموت العربية) على غرار الجمهوريات العربية في مصر وسوريا والعراق والجزائر، ولكن القوميين راحوا يحلقون في سموات شعاراتهم القومية الجوفاء، فطمسوا هوية شعب عريق، ظانين أنهم إنما يفعلون الخير للشعب والأمة، ولم يكن أحد منهم يتصوّر أن يأتي يوم يهجم فيه السبئيون (اليمنيون) على بلادنا ويحولوها إلى غنيمة حرب، بدعوى فاسدة (دعوى الوحدة المباركة، وعودة الجزء إلى الكل)، وكل ذلك كان تزويراً للتاريخ ..
الثلاثاء 27/إبريل-نيسان/2010 07:51 مساءً
7)
العنوان: تكملة ملاحطات على التقرير
الاسم: جنوبي إنفصالي
والدليل على التزوير الجغرافي القول بأن حضرموت وشبوة والمهرة كانت جزء من اليمن الجنوبي، وهذا تزوير واضح المعالم وسهل جداً إثباته، فبنظرة خاطفة لخريطة ما يسمونه اليمن الموحد سنجد أن حضرموت وشبوة والمهرة تقع شرق اليمن، فكيف تكون جزء من اليمن الجنوبي ؟!
الثلاثاء 27/إبريل-نيسان/2010 11:55 مساءً
8)
العنوان: تكملة ملاحطات على التقرير
الاسم: جنوبي إنفصالي
ومساحة حضرموت وشبوة والمهرة أكبر من ثلاثة أرباع ما كان يُسمى اليمن الجنوبي، ولو كان المزوّرون ذوو علم ومعرفة لكانوا سموا المنطقة كلها اليمن الشرقي بدل اليمن الجنوبي، وللتأكد أنظروا إلى الخريطة جيداً.. كما أن مساحة حضرموت وشبوة والمهرة تقارب ثلثي مساحة ما يُُسمى اليمن الموحد، ولأن المزوّرين اليمنيين كانوا على عجلة من أمرهم في 1967م (عام الإستقلال)، وكانوا يجهلون أو يتجاهلون (والأرجح أنهم يجهلون) جغرافيا وتاريخ حضرموت وشبوة والمهرة، لذلك ضموا هذا الكنز الكبير إلى اليمن وأعتبروه جزء من اليمن الجنوبي رغم أنف الجغرافيا والتاريخ.
الأربعاء 28/إبريل-نيسان/2010 10:22 مساءً
9)
العنوان: النصر لليمن الجنوبي
الاسم: درة الجنوب
عسى الله يحميكم يا ابناء اليمن الجنوبي و يحقق امانيكم و ينصركم على الاعداء
وان شاء الله النصر قريب
ونحن معكم حتى لو كون بعيد نحن معكم بقلوبنا و دعاوئنا
الجمعة 27/أغسطس-آب/2010 04:21 صباحاً
الإخوة / متصفحي موقع الاشتراكي نت نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى تحقيقات وتقارير
تحقيقات وتقارير
ااا/ااااا
ضحايا مخلفات الحرب والالغام الفردية التي نشرها الجيش في صعدة
ااا/ااااا
د. علي الفقيه
تجارة البشر أكبر خطر على الحدود
د. علي الفقيه
ااا/ااااا
قراءة في تقرير عن بنك التسليف الزراعي
ااا/ااااا
ااا/ااااا
للصليب الأحمر الدولي : معاناة المدنيين مستمرة وهناك صعوبة في إيصال المساعدات الإنسانية (تقرير 9/9/2009م)
ااا/ااااا
الـمـزيـد
جميع الحقوق محفوظة © 2005-2010 الاشتراكي نت
برنامج أدرلي الإصدار 7.2، أحد برمجيات منظومة رواسي لتقنية المعلومات والإعلام - خبراء البرمجيات الذكية
انشاء الصفحة: 1.191 ثانية