توطئة:
حددنا لأنفسنا في هذه التناولة ان تكون مادتها هي السُكان.
ولما كان كَمْ السُكان في اليمن – بتاريخهم - كما مهملا. لما كان السُكان في اليمن بتاريخهم – المعاصر على الأقل – كتلة هشة رجراجة فاننا لا ندعي – في هذه التناولة على الاقل – بأننا نسير على ارض ممهدة, صلبة، لا على مستوى الواقع/ المعطيات ولا على مستوى الفكر. ولذلك فقد كان من الطبيعي ان نعتبر هذه التناولة شيئا من او على هيئة: عبارات متقاطعة . في معرض تناولنا للوضع المأزوم في اليمن.
***
قلنا في تناولة سابقة بأن اليمن ليس فيها طبقات – ولا اقتصاد بالمرة- لقد قلنا: في اليمن انقسام حاد بين طبقة "مجازا " او فئة السياسين/ السلطة بمكل المعاني بما فيها معنى اقتصادي أتينا على الإشارة إليه سابقا.. الخ وبين السكان الذين قلنا عنهم بأنهم كل اؤلئك اللذين لا يمتلكون الا قوّتهم الكادحة في سوق العمل, صوتهم الكادح في "سوق السياسة " أو قوّتهم الكالحة في "سوق الحرب " كما تحققت في اليمن. لقد قلنا عن السكان كلاما يُحسن العودة إليه.
سأضيف هنا مسألة. قلنا بأن اليمن أصبحت جزءا لا يتجزأ من السوق الرأسمالي العالمي, ونقول بأن السُكان هنا اصبحوا ايضا- ووفق ما قد قلناه - جزءاً لا يتجزأ من جيش العمل والبطالة الجرار في العالم. بل لقد بلغ تعداد اليمينين في الخارج حوالي ستة ملايين – هذا الرقم لفت انتباهي كخبر في شريط الأخبار على قناة الجزيرة القطرية-. ربما يكون الرقم أعلى وربما يكون اقل. ثمة ملايين خارج البلد, لو نظرنا إليهم نظرة فاحصة من زاوية الفئات العمرية سوف نكتشف بدون عناء بأنهم طاقة اليمن الحيوية بحق. يجب ان تنحصر أعمارهم بين الثامنة عشرة والخمسين سنة .. الخ.
وفي تناولات سابقة حددنا الازمة بوصفها ازمة مركبة. هي ازمة سيطرة. على انها ايضا ازمة اكثر عمقا عندما ندرسها من زاوية السكان والوضع العام في اليمن "اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا .. الخ.بيد أن ما يعنينا في هذه التناولة ليس وضع الأزمة بالمعنى الأخير, بل في مستواها "السياسي". وان كنا سوف نتطرق مابين الآونة والأخرى إلى الأزمة بمعناها الأعمق في هذه التناولة وفي غيرها.
***
على مستوى السُكان يمكننا اكتشاف والكشف عما لا حصر له من تجليات "ازمة السيطرة " انطلاقا من حوادث المرور او السير بمخرجها المهول من الضحايا , بوصفه تعبيرا عن "ازمة سيطرة ". أي نعم عشرات الالاف يلقون حتفهم بحوادث مرورية وحوداث سير, امر مهول ومرعب فكيف لا يؤشر إلى غياب النظام القانون الدولة .. الخ. النظام والقانون والدولة ما وجدت من حيث المبدأ إلا لصيانة حياة الناس وهي تتجلى اكثر ما تتجلى في النظام الذي ينظم حياة الناس ويصونها في كل المجالات وصولا الى او انطلاقا من انظمة المرور والسير في الخطوط العامة.عشرات الوف يقتلون سنويا بحوادث مرور – وفق احصاءات رسمية - . مثلهم يقتلون في حوادث وثارات ونزاعات فردية ومحلية. عشرات يحرقون في مكبات قمامة على الحدود مع الجيران لمجرد أنهم كانوا في طريقهم الى حيث يتوسمون الحصول على ثمة فرص عمل تقيم اودهم وتعيل اسرهم. غيرهم يسحلون في بعض محافظات الوطن بحجة أنهم من محافظات اخرى وهو ليس حادثا فرديا او عاديا, خاصة اذا قُرأ مع ما هو حاصل في عموم الوطن. حروب بدون نتائج تذكر اللهم تعداد القتلى...لقد وصل الامر بالناس درجة تقطيع الأصابع والآذان وارسالها الى من "بإمكانه وضع حد لمعاناتهم (سجن اب مثلا).
وبالطبع انا اكتب إلى اليمنيين وبالتالي فلا اعتقد بأني في حاجة إلى الاشارة اكثر إلى تجليات الازمة في معناها او باشكالها الاقتصادية – يكفي ان اقول هنا بأن كامل البنية التحتية التي تجذرت في اليمن عبر آلاف السنين تم تحطيمها وتخريبها تماما خلال الخمسين سنة الماضية. اما اجتماعيا فلم نعد مجتمعا تقليديا – الماضي مات – لكننا ايضا لا نستطيع ان نقول بأن اليمن او في اليمن مجتمع مدني – المستقبل لا يريد ان يولد-. دعوكم من الحروب الدائرة هنا وهناك بلا توقف وكانها مظهر تجل هذه السلطة الأبرز والوحيد بتاريخها.
تلك اشارات ضرورية لأنتقل إلى القول - وعلى نفس الصعيد - بانه يمكننا اكتشاف والكشف عن حراك "سياسي" وباشكال عديدة يعم كل اليمن, لا معنى له إلا كونه "احساسا بالازمة". رفضا للقائم باشكال شتى, معظمها بدائي.. وصولا الى القول بان الوضع في اليمن الآن وضع مأزوم بامتياز. على ان الوضع المأزوم – أي وضع ثوري- لا يعني بان التغيير سوف او يجب ان يحدث الآن او غدا.. او فلنقل: لا يكفي ان نكون في وضع كالوضع "المأزوم" القائم في اليمن كي تتوفر امكانية تغييره.. لا يكفي ان يكون الناس "ضحايا " سلطة ونهبا لأزمة " نظام " او سلطة حتى تتوفّر إرادةُ التنظيم او امكانيته لإسقاطه.
ان السلطات مثل السلطة القائمة في اليمن, لم تعتمد في تاريخها كله على شيء قدر اعتمادها على عجز السكان عن فعل شيء ذي معنى قد يهدد استمرار "النظام". ولذلك فان عمل السُلطات الرئيس هو تغذية هذا العجز, تكريسه وإعادة انتاجه من جديد دائما .. يدخل في ذلك افساد وتلويث ممثلي السكان بما يودي الى شل حركتهم ومنعهم من القيام بأي دور ممكن ان يؤدي الى التغيير او على الاقل زعزعة الوضع على نحو ممكن أن يؤدي الى ثمة مكاسب تتحقق للناس. الامر الذي يبدو بوصفه موضوع هذه الحلقة الرئيس, أي السكان بين الذاتي والموضوعي.قبل ان اصل اليه على شكل استخلاصات معينة. وارتباطا بما قلته في الفقرة الأخيرة اقول مسألتين في غاية الاهيمة. قبلما اقولها أوأكد: ثمة ازمة سيطرة مترافقة مع احساس شعبي ملحوظ بها بل وحراك – هو رفض لها وإن مكبوت بأشكال تبدو منها او معززة لها. فهل يكون رفضا باتجاه حلها حلا تاريخيا!؟- هي لحظة حرجة. هنا وبالتحديد واولا وقبل كل شيء ينبغي الخوف من :
1- استمرار تدفق "طاقة اليمنيين الحيوية" خارج بلدهم ولنا في الحالة العراقية اكبر مثل. والخوف من ان يستمر تدفق طاقة اليمنيين في هذه اللحظة بالذات بعيدا عن المجري الصحيح .. "السلطة السياسية" .
2- الخوف من ان تُجهض. يحب ان لا تجهض بجنوب او شمال او شرق اوغرب- حراك اليمنيين يتمدد من صعدة حتى المهرة ومن ميدي حتى الخراخير-. ولا ينبغي ان تجهض "بالبلادة " أو الحرب.
وهو امر مع ما قد سبق إيراده يجرنا الى الحديث عن الذاتي والموضوعي في اللحظة الراهنة. قبل ذلك الفت الانتباه إلى ما يلي : "الخارج اقليميا ودوليا" يبذل جهودا مضنية لحماية الوضع القائم من ان يحل عنا, بما معناه انهم امام خيارين لا ثالث لهما: ان يقبلوا بالتغيير أو يقبلوا بالتغيير!؟. على ان هذا موضوع آخر. بيد انني اقوله هنا لاقول امرا مهما أخر وجهه الاول انهم هناك في الخارج عارفون. ووجهه الاخر هو ان أي تغير في اليمن غير ممكن بدون "لحظة هرمونية خاطفة" بين الداخل والخارج.. ولا ينبغي ان ننسى ستة ملايين يمني في الخارج يعملون في "تنظيف شوارع الناس وفي تلميع أحذية المارة".
***
موضوعيا الحالة تستدعي الارتفاع بالحراك "اليمني" من حضيض التمزق والتجزؤ والتفرد إلى حيث يصبح حراكا يمنيا عاما يتدفق في اتجاه: لا إلى حل الازمة فقط, بل حلها على نحو يؤدي إلى إعادة صياغة الكيان الوطني كله على أسس جديدة, وبما يلبي مصالح السكان اولا ويحافظ على وحدة الكيان. حلا يرتفع باللحظة إلى مستوى "التاريخ" لتصبح لحظة تاريخية ما بعدها غيره ما كان قائما قبلها. وهو امر يطرح من حيث المبدأ تعبيرا سياسيا جديدا وجديا عن السكان حتى ولو جاء على شكل إعادة بناء القائم او تفعيله.
السؤال الآن: كيف للسكان في مقابل او في مواجهة طبقة السياسيين/ السلطة "المأزومة" أن ينتجوا تعبيرهم السياسي.. كيف لهم مع ما قد قلناه في تناولات سابقة أن ينتجوا تعبيرهم السياسي اولا وقبل كل شيء .. دعك من الحل الآن.
وهل للتعبير السياسي ان يُنتج بقرار..هل يمكن لثمة تعبير سياسي ان يُنتج بقرار ؟ " فوقي أو تحتي!".
التعبير السياسي هو الآخر يتخلق تخلُقا مثله مثل الحلول السياسية. وهذا الامر يجرنا الى العفوية والارادوية في التاريخ. يجرنا الى مسألة التنظيم السياسي. بل كيف للسكان ان ينتجوا تعبيرهم السياسي مقابل السلطة/ السياسة, في ظل وضع قلنا بأن العامل المحدد الاقتصادي فيه غائب. هو موجود هناك, قصدي العامل الاقتصادي المُحدِد. هناك في بلدان "المركز" المركز المهيمن. لاحظوا كيف تنقلب الأمور . كنا قد حددنا الهيمنة والسيطرة قبلا على مستوى الداخل. الان انقلب الوضع وقد قرأنا الداخل مع الخارج، صارت الهيمنة هناك والسيطرة للطبقة السياسية ككل, هنا!. نقول هذا لكي نقول إن تعبيرا سياسيا محضاً محلياً غير ممكن ولكي نقيم الاعتبار كما ينبغي لتشكيلات "المجتمع المدني" القائمة في البلد, بما فيها الاحزاب السياسية المعبرة عن السكان حقيقة او مجازا كامتداد وبترابطها مع غيرها المنتشرة في كل انحاء العالم. نقول هذا الكلام لكي يُقرأ مع ما قد قلناه سابقا. للآخرين ايضا دور , بل ودور مُحَدِد, هل نعيد تكرار ما قلناه عن "اللحظة الهرمونية" .ام نعيد تكرار ما قد قلناه من ان اليمن ليس فيها اقتصاد , الامر الذي في حقله فقط, انطلاقا من وعلى أساس منه تتخلق التعبيرات السياسية بوصفها تعبيرات عن جماعات "اقتصادية" أي عن جماعات , المصلحة بمعناها الاقتصادي هي التي تجعل من أي منها جماعة تمييزا لها عن الجماعات الأخرى او وجودا لها في سياق التناقض معها رئيسيا او ثانويا. وقلنا ما قلنا ه قبل الان لكي نقول بأن اي تنظيم سياسي للسكان ببعد غير عالمي امر محكوم عليه بانسداد الافق من حيث المبدأ.
قلنا في تناولتنا السابقة بأن السُكان في اليمن او من ترمز او ما تشير اليه كلمة سكان في هذه التناولة هم مجموع العاملين في السوق ممن لا يمتلكون الا قوتهم الكادحة وقلنا بانهم يعملون في السوق خصوصا وعموما. السوق المحلية وارباب العمل فيه هم السياسيين/ السلطة , وعموما اي السوق الرأسمالي العالمي .. تحليل بسيط لليمنيين يجعلنا نعتبرهم كلهم جزءا لا يتجزأ من جيش العاطلين والعاملين غير المهرة في العالم كله.
ان وضع السكان المحليين في اليمن من الصعوبة بمكان ان نعتبره قادرا او في محل الجاهزية الاقتصادية والاجتماعية لإنتاج تعبير سياسي ما, لغياب المصلحة المتجذرة اولا في حقل الاقتصاد بمعناه العلمي والتاريخي مالم يكن بأبعاد تتخطى الكيان الوطني. ان دولا مثل "الدولة" القائمة في اليمن غير ممكن استمرارها وما كان ممكنا ان تستمر – بل وتنشاء – إلا بالترابط مع عامل عالمي.فماذا عن السكان وقد قلنا عنهم ما قلنا.
***
ثمة تعبيرات سياسية " تنتمي" الى السكان حقيقة لكن ماذا عن قياداتها .. مراكز الهيمنة داخل هذه التعبيرات. عموما "بنية" السُكان في اليمن ومع غياب الاقتصاد, هي بنية رجراجة رخوة, من الضعف بمكان بحيث نستطيع ان نجزم بانها – تعبيراتها السياسية – اقل من ان تلعب دورا محددا في مجرى "الحراك" دعك من ان تفرض حلا . ضعفها ورخاوة ما تعبر عنه يجعلها خارج الازمة والحل في هذا الاطار الذي نحدد لانفسنا . فما العمل؟
.. دعونا الآن نجعلها بين قوسيين.
لقد ظهر السكان في تاريخ اليمن المعاصر "ككم مهمل" بل انهم يظهرون كذلك في كل تاريخها الوسيط..حيث كان يحكم "الله " عبر خليفته في الأرض , وما على "الرعية" الا السمع والطاعة – يبدو الامر كما لو انه ما يزال كذلك-. ولذلك فلم يعد امامنا من امكانية لتحليل الازمة إلا في مستواها "الفوقي". في حقل السياسة, والسياسة فحسب... او فلنقل تفكيكا للسلطة القائمة, التي قلنا بأنها هي هي الفئة وفيها المصلحة. على اننا وقبل ان نقوم بأي شكل من اشكال التحليل ينبغي ان نرى بأن الازمة حقيقة هي هنا.. صحيح هي أزمة سيطرة .. ازمة "طبقة " سياسية عاقر .. بل لنقل بأنها وصلت إلى اقصى درجات تأزمها ,الحالة الماثلة امامنا: "طبقة/ سيطرة مجذومة, سيطرتها تتآكل ومن داخلها تتقصف, لكن صحيح بنفس القدر بأنها ازمة سُكان ايضا.
كتلة السلطة .. ومن الان سوف نتكلم عن كتلة السلطة بوصفها بنية السيطرة – ثمة عدم استقرار في المفهوم. البنية مفهوما "معرفيا" على حين ان الكتلة كلمة تعبر هنا عما لا نستطيع التعبير عنه وفقا للمناهج المُستقرة في اذهاننا – قلنا عنها بأنها تلك البنية او الكتلة التي تنظم في اطارها السلطة كما هي بالفعل وتلك " السُلطات" التي تنازعها "الحكم". فيما حددناه في دراسة سابقة بالحوثيين وما يسمى بالحراك (كما استقر في سنته الاخيرة). لقد خرج الجميع عن السلطة القائمة في صنعاء من حيث الاساس. الأول خرجوا إلى "التاريخ". والآخرون يحاولون لا الخروج على التاريخ و السلطة القائمة. بل وعلى الوطن برمته ايضا.
قلنا عنها ما قلناه – الطبقة السياسية – وما يمكن ان نقوله. فماذا نقول عن "السُكان" وبالتحديد عن تعبيرهم السياسي – المفُترض- والذي نراه – نحن – ما يسمى بـ" المشترك " وبتللك المنظمات التي تسمى منظمات المجتمع المدني؟.
ان أي حل او اقتراح مشروع حل للأزمة غير ممكنا بدون تحليل عناصر هذه الازمة وبالتحديد –الآن – الأزمة في جانبها المتعلق بالسُكان .
وهذا ما اشرنا اليه في مجملة التناولات السابقة . فماذا تبقى لكي نقوله؟
لا لسنا نحن من سوف يقول الآن بل غرامشي:
"في لحظة معينة من حياتها التاريخية تنفصل الطبقات الاجتماعية عن أحزابها , وبعبارة أخرى , لم تعد تلك الأحزاب بشكلها التنظيمي الخاص , وبرجالها الذين يكونونها ويمثلونها ويقودونها, معترفا بها من طبقتها (او احد اقسام الطبقة) التي تعبر عنها . عندما تقع مثل هذه الازمات , يصبح الوضع حرجا".
هنا الوضع بالتحديد حرج, وحرج جدا . لكن من زاوية التعبير السياسي عن السُكان . قصدي: الأداة. أداة او أدوات الحل للأزمة من جهة السُكان في المعادلة اليمنية. قصدي الحل الذي لا يحُل الازمة فقط بل ويحلها حلا في صالح الناس. في اتجاه حركة التاريخ , لا ضدها ولا خارج هذا التاريخ.